بوح
16 - 03 - 2009, 21:11
http://images.paraorkut.com/img/lide/Krajiny_918229759_03.gif
ليس هناك حصر للقصص والروايات الرائعة التي خلفها المبدعون، شرقا وغربا، علي مختلف العصور. لكن هناك مايشبه الاجماع علي روعة وتميز عدد محدود من البدايات التي افتتح بها بعض المبدعين اعمالهم القصصية.
وليس المقصود هنا قدرة الكاتب علي جذب قارئه وتشويقه منذ الصفحة الأولي للكتاب، اذ لاحصر ايضا، للموهوبين القادرين علي ذلك، خاصة ان البداية الجيدة والمحكمة كانت، ولاتزال، الهم الاكبر لجميع القصصيين، باعتبارها المؤشر الأول لانشداد القاريء أو تردده او تركه العمل الادبي برمته.
لكن المقصود هو تلك البدايات التي لاتتعدي فقرة صغيرة، او جملة قصيرة قد لاتكون غريبة او ذات بلاغة عالية، لكنها مع ذلك تملك من السحر وقوة التأثير، ما يجعلها تترك بصمتها المميزة في نفس القاريء، سواء بحمولتها الخاصة وحدها، او بأثر النص كله بعدما ينتهي القاريء من مطالعته، فاذا ترددت علي مسمعه عبارة الافتتاح تلك، في الأعوام اللاحقة، احس بحرارة الميسم التي احسها عند قراءة العمل الادبي من قبل، وعادت الي ذهنه حرارة العمل كله.
ولكي نعلم مقدار اثر مثل تلك البدايات التي تحولت الي مايشبه (الأيقونات) علينا ان نصغي باهتمام لما يقوله واحد من اعظم الروائيين في عصرنا، عن شدة الأثر الذي طبعه في نفسه المفتتح لقصة فرانز كافكا (المسخ):
(عندما استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من احلامه المزعجة، وجد نفسه وقد تحول، في فراشه، الي حشرة ضخمة جدا).
يقول غابرييل غارسيا ماركيز انه عندما قرأ هذا في بداياته، ادرك، من خلال دهشته وانبهاره، ان كل شيء ممكن في القص.
ولعله وجد في ذلك حافزا لايرد علي أن يمضي في سبيله بجرأه غير معهودة، ليطلع علينا في النهاية بشيء لاعهد لنا به من قبل اسمه (الواقعية السحرية).
ولعل ماركيز يعلم ايضا ان جملته الاولي في عمله الكبير (مائة عام من العزلة) قد كان لها، علي بساطتها، التأثير ذاته في نفوس قرائه، مما سيجعلها واحدة من البدايات الخالدة:
بعد أعوام عديدة، فيما كان يواجه كتيبة الاعدام، تذكر العقيد أورلياندو بوينديا عصر ذلك اليوم البعيد الذي اخذه فيه والده لمشاهدة الثلج).
لكن هل كان الكاتب النرويجي كنوت هامسون يتخيل ان تعبيره الافتتاحي عن اثر مدينة كريستيانا علي نفس بطل روايته (الجوع) سيكون له الوقع ذاته علي نفوس قراء الرواية علي مر الاعوام؟. يفتتح هامسون روايته هكذا:
(حدث هذا في تلك الايام التي كنت فيها مشردا اتضور جوعا في مدينة كريستيانا، تلك المدينة العجيبة التي لايغادرها احد قبل ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها).
وكذلك لايغادر احد رواية (الجوع) دون ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها، بحيث يكفي ان يسمع الفقرة الافتتاحية، لكي يستعيد الاثر الموجع للرواية كلها، مهما تباعدت الاعوام، اذ ان تلك الفقرة هي تلخيص مكثف للمرارة التي احتوتها الرواية، حيث انتصب التشرد والجوع بطلين اساسيين فيها.
وفي رأس قائمة تلك البدايات التي لاتنسي، تأتي بداية رواية (آنا كارنينا) لتولستوي:
(كل الأسر السعيدة متشابهة، أما الأسر التعيسة فلكل منها تعاستها الخاصة المميزة).
انها واحدة من (الأيقونات) التي تكرست علي مر العهود، سواء من قبل القراء العاديين او من قبل المبدعين الكبار. فعلي الرغم من عظمة جميع اعمال تولستوي، تبقي (آنا كارنينا) في قمة هذه الاعمال، وفي قمة جميع الاعمال الادبية الاوروبية ايضا، كما رأي ديستويفسكي وتبقي افتتاحيتها في الصف الأول من تلك الافتتاحيات ذات الاثر الدائم.
اما الكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز فيأخذ مكانه في هذا الصف بفعل البداية الرائعة لروايته الخالدة (قصة مدينتين):
(كانت افضل الأزمنة، وكانت اسوأ الازمنة.. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الايمان، وكان عهد الشك. كان موسم النور، وكان موسم الظلام. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط. كنا نملك كل شيء أمامنا، وكنا لانملك شيئا مما امامنا..
كنا جميعا ذاهبين مباشرة الي الجنة.. وكنا جميعا ذاهبين في الاتجاه الآخر)!.
ان قراء ديكنز قد ينسون كثيرا من تفاصيل قصصه المؤثرة، وقد ينسون حتي الموقف الموجع للصغير اليتيم الجائع أوليفر في مفتتح رواية (أوليفر تويست) وهو يطالب بمزيد من الحساء.. لكنهم لايمكن ان ينسوا مطلع (قصة مدينتين) الحافل بكل المتناقضات، والعابر من تشخيص حال مدينتين هما لندن وباريس، الي تشخيص موجز وحاد ومؤلم لحال الجنس الانساني الذي تنفصم مدينته نفسها الي مدينتين وينقسم زمنه ذاته الي زمنين!.
بقي القول ان الحافز الذي حرك في ذهني شرارة هذا الموضوع هو مفتتح رواية (انتظار) للكاتب الصيني (ها-جن).. إذ إنني حال وقوع عيني علي هذا الطُعم الذي وضعه لاصطياد القاريء، وجدته مؤهلا لدخول موسوعة البدايات المميزة من اوسع ابوابها، اذا اتسعت شهرة الرواية، وتعددت منافذ ترجمتها الي مختلف اللغات.
يقول (ها- جن) في السطر الأول من روايته:
(((كل صيف، كان (لن كونغ) يعود إلي قرية البجع من أجل تطليق زوجته (شو - يو !)))
هل يمكن لمثل هذه البداية أن تمر علي القاريء دون ان تنطبع في ذاكرته إلي الأبد؟ لا أعتقد..
منقول..
ليس هناك حصر للقصص والروايات الرائعة التي خلفها المبدعون، شرقا وغربا، علي مختلف العصور. لكن هناك مايشبه الاجماع علي روعة وتميز عدد محدود من البدايات التي افتتح بها بعض المبدعين اعمالهم القصصية.
وليس المقصود هنا قدرة الكاتب علي جذب قارئه وتشويقه منذ الصفحة الأولي للكتاب، اذ لاحصر ايضا، للموهوبين القادرين علي ذلك، خاصة ان البداية الجيدة والمحكمة كانت، ولاتزال، الهم الاكبر لجميع القصصيين، باعتبارها المؤشر الأول لانشداد القاريء أو تردده او تركه العمل الادبي برمته.
لكن المقصود هو تلك البدايات التي لاتتعدي فقرة صغيرة، او جملة قصيرة قد لاتكون غريبة او ذات بلاغة عالية، لكنها مع ذلك تملك من السحر وقوة التأثير، ما يجعلها تترك بصمتها المميزة في نفس القاريء، سواء بحمولتها الخاصة وحدها، او بأثر النص كله بعدما ينتهي القاريء من مطالعته، فاذا ترددت علي مسمعه عبارة الافتتاح تلك، في الأعوام اللاحقة، احس بحرارة الميسم التي احسها عند قراءة العمل الادبي من قبل، وعادت الي ذهنه حرارة العمل كله.
ولكي نعلم مقدار اثر مثل تلك البدايات التي تحولت الي مايشبه (الأيقونات) علينا ان نصغي باهتمام لما يقوله واحد من اعظم الروائيين في عصرنا، عن شدة الأثر الذي طبعه في نفسه المفتتح لقصة فرانز كافكا (المسخ):
(عندما استيقظ غريغور سامسا ذات صباح من احلامه المزعجة، وجد نفسه وقد تحول، في فراشه، الي حشرة ضخمة جدا).
يقول غابرييل غارسيا ماركيز انه عندما قرأ هذا في بداياته، ادرك، من خلال دهشته وانبهاره، ان كل شيء ممكن في القص.
ولعله وجد في ذلك حافزا لايرد علي أن يمضي في سبيله بجرأه غير معهودة، ليطلع علينا في النهاية بشيء لاعهد لنا به من قبل اسمه (الواقعية السحرية).
ولعل ماركيز يعلم ايضا ان جملته الاولي في عمله الكبير (مائة عام من العزلة) قد كان لها، علي بساطتها، التأثير ذاته في نفوس قرائه، مما سيجعلها واحدة من البدايات الخالدة:
بعد أعوام عديدة، فيما كان يواجه كتيبة الاعدام، تذكر العقيد أورلياندو بوينديا عصر ذلك اليوم البعيد الذي اخذه فيه والده لمشاهدة الثلج).
لكن هل كان الكاتب النرويجي كنوت هامسون يتخيل ان تعبيره الافتتاحي عن اثر مدينة كريستيانا علي نفس بطل روايته (الجوع) سيكون له الوقع ذاته علي نفوس قراء الرواية علي مر الاعوام؟. يفتتح هامسون روايته هكذا:
(حدث هذا في تلك الايام التي كنت فيها مشردا اتضور جوعا في مدينة كريستيانا، تلك المدينة العجيبة التي لايغادرها احد قبل ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها).
وكذلك لايغادر احد رواية (الجوع) دون ان تسمه بسماتها وتترك عليه آثارها، بحيث يكفي ان يسمع الفقرة الافتتاحية، لكي يستعيد الاثر الموجع للرواية كلها، مهما تباعدت الاعوام، اذ ان تلك الفقرة هي تلخيص مكثف للمرارة التي احتوتها الرواية، حيث انتصب التشرد والجوع بطلين اساسيين فيها.
وفي رأس قائمة تلك البدايات التي لاتنسي، تأتي بداية رواية (آنا كارنينا) لتولستوي:
(كل الأسر السعيدة متشابهة، أما الأسر التعيسة فلكل منها تعاستها الخاصة المميزة).
انها واحدة من (الأيقونات) التي تكرست علي مر العهود، سواء من قبل القراء العاديين او من قبل المبدعين الكبار. فعلي الرغم من عظمة جميع اعمال تولستوي، تبقي (آنا كارنينا) في قمة هذه الاعمال، وفي قمة جميع الاعمال الادبية الاوروبية ايضا، كما رأي ديستويفسكي وتبقي افتتاحيتها في الصف الأول من تلك الافتتاحيات ذات الاثر الدائم.
اما الكاتب الانجليزي تشارلز ديكنز فيأخذ مكانه في هذا الصف بفعل البداية الرائعة لروايته الخالدة (قصة مدينتين):
(كانت افضل الأزمنة، وكانت اسوأ الازمنة.. كان عصر الحكمة، وكان عصر الحماقة. كان عهد الايمان، وكان عهد الشك. كان موسم النور، وكان موسم الظلام. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط. كنا نملك كل شيء أمامنا، وكنا لانملك شيئا مما امامنا..
كنا جميعا ذاهبين مباشرة الي الجنة.. وكنا جميعا ذاهبين في الاتجاه الآخر)!.
ان قراء ديكنز قد ينسون كثيرا من تفاصيل قصصه المؤثرة، وقد ينسون حتي الموقف الموجع للصغير اليتيم الجائع أوليفر في مفتتح رواية (أوليفر تويست) وهو يطالب بمزيد من الحساء.. لكنهم لايمكن ان ينسوا مطلع (قصة مدينتين) الحافل بكل المتناقضات، والعابر من تشخيص حال مدينتين هما لندن وباريس، الي تشخيص موجز وحاد ومؤلم لحال الجنس الانساني الذي تنفصم مدينته نفسها الي مدينتين وينقسم زمنه ذاته الي زمنين!.
بقي القول ان الحافز الذي حرك في ذهني شرارة هذا الموضوع هو مفتتح رواية (انتظار) للكاتب الصيني (ها-جن).. إذ إنني حال وقوع عيني علي هذا الطُعم الذي وضعه لاصطياد القاريء، وجدته مؤهلا لدخول موسوعة البدايات المميزة من اوسع ابوابها، اذا اتسعت شهرة الرواية، وتعددت منافذ ترجمتها الي مختلف اللغات.
يقول (ها- جن) في السطر الأول من روايته:
(((كل صيف، كان (لن كونغ) يعود إلي قرية البجع من أجل تطليق زوجته (شو - يو !)))
هل يمكن لمثل هذه البداية أن تمر علي القاريء دون ان تنطبع في ذاكرته إلي الأبد؟ لا أعتقد..
منقول..