PDA

عرض كامل الموضوع : دراسة أمنية «الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب


النادر
01 - 11 - 2008, 06:33
«الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب... الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة»


http://up.x333x.com/uploads/67f97c4d88.jpg

صدر أخيراً عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» دراسة بعنوان «الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب... الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة» للباحث كريستوفر بوشيك. الدراسة قدمت شرحاً مفصلاً للاستراتيجية السعودية القائمة على منهاج إرشادي وتربوي وديني، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى توبة الأشخاص الذين كانوا يحملون فكراً منحرفاً، بعدما تبين لهم من خلال الحوار وأسلوب الإقناع خطأ الأفكار التي كانوا يعتقدون بها.
بوشيك، الذي استند في بحثه على معطيات ميدانية من واقع التجربة السعودية في مكافحة الإرهاب في إطار «حرب الأفكار»، سلط الضوء على جهد وزارة الداخلية السعودية التي يتولاها الأمير نايف بن عبدالعزيز، إضافة إلى إشراف الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، على إدارة حملة مكافحة الإرهاب التي أصبحت نموذجاً تستلهم منه الدول الأسلوب الناجع في استراتيجياتها ضد الإرهاب.
ويشير بوشيك إلى أنه عقب موجة من الهجمات الإرهابية المميتة التي بدأت في العام 2003، أطلقت المملكة العربية السعودية حملة واسعة لمكافحة الإرهاب. ومثّل استخدام الإجراءات غير التقليدية «الليّنة» الهادفة إلى محاربة التبريرات الفكرية والأيديولوجية للتطرف جانباً أساسياً في الجهود السعودية. والهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية منازلة ومحاربة أيديولوجيا تؤكد الحكومة السعودية أنها تستند إلى تفسيرات فاسدة ومنحرفة للإسلام. وتتكون الاستراتيجية السعودية من ثلاثة برامج مترابطة تهدف إلى الوقاية وإعادة التأهيل وتوفير النقاهة بعد الإفراج عن المعتقلين.
تجدر الإشارة إلى أن كريستوفر بوشيك يعمل زميلاً في «برنامج كارنيغي للشرق الأوسط». وقبيل انضمامه إلى «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» عمل بوشيك باحثاً في جامعة برنستون ومحاضراً في علوم السياسة في مدرسة وودرو ولسون. وعمل بوشيك في السابق محللاً إعلامياً في السفارة السعودية في واشنطن، كما عمل لأعوام في معهد الخدمات الملكية الموحدة لدراسات الأمن والدفاع في لندن، إذ لا يزال زميلاً في المعهد المذكور. وفي الفترة بين عامي 2003 و 2005 عمل محرراً أمنياً في «مجموعة جينز للمعلومات». كتب العديد من الدراسات عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والإرهاب لمجموعة من المطبوعات بما فيها صحيفة «واشنطن بوست»، و«سي تي سي سنتينل»، و«جينز إنتلجنس ريفيو»، وشمجلة الدراسات الليبية»، و«ستراتيجيك إنسايتس»، و«تيروريزم مونيتور».
«الراي» تنشر هذه الدراسة المهمة على حلقتين لما تتضمنه من تجرية رائدة للمملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب.

سنغافورة اعتمدت جزئياً في برنامجها لمكافحة التشدد على نموذج المملكة... واستراتيجية «المارينز» في التعامل مع المقاتلين العراقيين الموقوفين استندت إلى خبرات المسؤولين في الأولى

الرسم... نشاط ثوري لإعادة تأهيل المتطرفين

[COLOR="red"]تؤدي اللجنة الأمنية الفرعية، التابعة لـ «اللجنة الاستشارية» التي يقدمها برنامج الإرشاد في وزارة الداخلية السعودية، عدداً من الوظائف، لكنها ليست كلها معروفة علناً. وتقيّم اللجنة السجناء لجهة المخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقدم توصيات في شأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. وتقدم اللجنة أيضاً المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلاً. وتعتبر مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن أساسية في عمل هذه اللجنة. ويتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريباً، بأنه ستتم مراقبتهم سراً وعلانية، وأن استمرار تمتعهم بالحرية يعتمد على بقائهم بعيدين عن أصدقائهم السابقين وعاداتهم السابقة. ويتم إخطارهم بمن يمكنهم مخالطته ومن لا يمكنهم، كما يُطلب إليهم مراجعة اللجنة الفرعية. ومن المتفق عليه أن يراجع المشاركون في البرنامج اللجنة بانتظام.
يبقى أعضاء اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية على اتصال مع خريجي البرنامج. ويقوم رجال الدين بالتشاور مع شركائهم السابقين في الحوار، في ما يواصل المحتجزون السابقون الدراسة مع الشيوخ الذين كانوا يقدمون لهم النصح والمشورة في السجن. وعند الإفراج عنهم، يتم تشجيعهم على متابعة هذا التواصل واللجوء إلى الشيوخ أو الأطباء كلما احتاجوا إلى ذلك، وهو أمرٌ يحدث بشكل شبه منتظم، حسب قول أعضاء اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. في غضون ذلك، تستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور، كما هو مخطط لها، وللتأكد من عدم وجود أي مشاكل. وفيما يتطوّع الكثيرون من أعضاء اللجنة الاستشارية للقيام بهذا الأمر بكل اندفاع، خصوصاً رجال الدين، إلا أن مراقبة السجناء السابقين في قضايا أمنية تبقى جزءاً من مسؤوليتهم.
أما اللجنة الإعلامية الفرعية، التي تركّ.ز على تقديم الخدمات والتعليم، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة بالبرنامج، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد. وقد قامت اللجنة بإجراء بحث موسَّع عبر الإنترنت والإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام المكتوبة، وتوصلت إلى أن أفضل طريقة تمكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف - من الشباب السعوديين الذين يُعتبرون أكثر شريحة معرضة إلى خطر التجنيد على يد المتطرفين - هي صلاة الجمعة. وهكذا فإن قسماً كبيراً من عمل اللجنة يتم توصيله إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.
وتسعى هذه اللجنة الفرعية، عبر المواد التي تستخدمها، للتأكيد على رسائل عدة، من بينها المفهوم القائل إن المتطرفين يستغلون المتطوعين لترقية قضيتهم، وإن الذين وافقوا المتشددين في الرأي أساؤوا فهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإسلام. ومن الأمثلة على المواد التي تقدمها اللجنة الإعلامية الفرعية البرنامج التلفزيوني الذي يتناول موضوع أحد الأشخاص الذين تم تجنيدهم للقيام بهجوم إرهابي. وعندما علم هذا الشخص، وهو شاب سعودي، بأن الهجوم سيكون عملية انتحارية، رفض تنفيذه، لكن الإرهابيين خدعوه وقاموا بتفجير المتفجرات التي كان يحملها بالتحكم عن بعد. نجا الشخص الذي ظهر في البرنامج، إلا أنه أُصيب بتشوهات بالغة. كانت رسالة البرنامج واضحة تماماً: التورط مع الإرهابيين يؤدي إلى عواقب وخيمة لك ولأفراد أسرتك كافة. وهذه القصة تشبه إلى حدٍّ كبير قصة واقعية لأحد المشاركين المشهورين في برنامج إعادة التأهيل، وهو شاب تورط في الهجوم على السفارة الأردنية في بغداد عبر تفجير قاطرة وقود ما أودى بحياة 12 شخصاً. وتم الإبلاغ عن عدد من القصص المماثلة في أوائل العام 2008 شملت استغلال اثنتين من النساء المتخلفات عقلياً للقيام بعمليات انتحارية في بغداد.
تقوم اللجنة الإعلامية الفرعية بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج. وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية. وتساهم اللجنة أيضاً في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس. ومن خلال هذه الجهود تمكنت اللجنة الاستشارية من إيصال رسالتها إلى شريحة واسعة من الناس في المساجد والمدارس وأيضاً في المخيمات والنوادي الصيفية.
المشاركون في البرنامج
[B]وفقاً لدراسة مهمة أجرتها اللجنة الاستشارية، فإن الغالبية الساحقة من المعتقلين الذين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل لم يتلقوا تعليماً دينياً ملائماً في طفولتهم. وقد شملت هذه الدراسة 639 مشاركاً في البرنامج، ممن كانوا ناشطين في المملكة العربية السعودية حتى العام 2004، حيث أجرت مسحاً لخلفياتهم الاجتماعية وأساليب تنشئتهم، علماً أن أياً منهم لم يقم بأي عمل إرهابي في الداخل. وأشارت الدراسة إلى أن المعتقلين كانوا، عموماً، من فئة الشباب (في العشرينات من العمر)، وأن عائلاتهم تنتمي إما للطبقة الوسطى وإما الفقيرة (أي أن عدد الأبناء فيها يتراوح بين سبعة وخمسة عشر)، وأن آباءهم وأمهاتهم لم يتلقوا إلا تعليماً محدوداً، أما عدد الذين ينتمون إلى عائلات ثرية فقد تبين أنه كان محدوداً جداً. وتبين أن قرابة ثلث المشاركين فيها سافروا إلى

الخارج، وتحديداً إلى أفغانستان أو الصومال أو الشيشان، بهدف شن الجهاد. كما تبين أن معظمهم كان يمتلك فهماً قاصراً للإسلام. وهذه نقطة مهمة وحساسة يستشهد بها المسؤولون السعوديون للتدليل على النجاحات النسبية التي حققها برنامج إعادة التأهيل حتى الآن. فضلاً عن ذلك بيَّنت الدراسة أن معظم المعتقلين لم يكملوا التحصيل العلمي الأساسي والعلوم الدينية الصحيحة. كما تبين أن معظم الذين قاموا بانتهاكات أمنية داخل المملكة تم تحويلهم إلى راديكاليين عبر الوسائل التي أضحت معروفة للجميع وهي: الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وأخيراً الإنترنت.
وانبثق عن هذه الدراسة عدد من الحقائق المثيرة للاهتمام. أولاً، تبين أن ربع المشاركين الـ639 في البرنامج كانوا من أصحاب السوابق الجنائية؛ إذ اعتقل نصف هؤلاء بتهم تتعلق بالمخدرات. والحقيقة الثانية تتعلق بمعرفتهم بأمور الدين. ووفقاً لما يقوله مسؤولو البرنامج، فإن معرفة الكثيرين من المعتقلين المشاركين في البرنامج بالإسلام كانت كانت ضئيلةً نسبياً، وأن رغبتهم بأن يكونوا أكثر تديناً هي التي قادتهم إلى الاتصال بالمتطرفين الذين نشروا بينهم فهماً فاسداً للإسلام. لكن الذي كان مخالفاً للتوقعات هو أن نسبة قليلة جداً من هؤلاء (لا تتجاوز الخمسة في المئة) سبق لهم ممارسة العمل في وظائف دينية، كأئمة مساجد أو أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويرى أعضاء اللجنة الاستشارية أنه بالنظر إلى أن هؤلاء الأشخاص الذين لم يتلقوا تعاليم دينهم بالشكل الصحيح منذ البداية، فإنهم كانوا عرضةً للتأثر بالدعاية التي يبثها المتطرفون. ولذلك فإن البرنامج الإرشادي يسعى إلى تغيير الفهم المغلوط للإسلام لدى المعتقلين وإعادة تعريفهم بالصيغة الرسمية من الدين. ويتم هذا الأمر عبر عملية معقدة تنطوي على إرشادات وحوار في أمور الدين وتوجيه نفسي ودعمٍ اجتماعي مكثَّف.
وكانت قدرة المملكة العربية السعودية على حشد سلطتها الدينية الهائلة لإضفاء الشرعية على عملية الحوار من أهم عوامل نجاح العملية. كما أن وجود بعض الأشخاص في اللجنة الاستشارية ممن كانوا سابقاً في صفوف المتشددين ومنتقدي النظام، يضفي على هذه العملية مصداقية كبيرة لدى المشاركين في البرنامج، لا سيما وأن الدعوة التي نادى بها أولئك الأشخاص هي التي قادتهم إلى الميل إلى التطرف. ليس بالمستطاع التقليل من أهمية هذا العامل، فالمعتقلون لا يمكن أن يتحاوروا مع شخصيات دينية تفتقر إلى المصداقية في أعين الأصوليين ومؤيديهم.
على صعيد آخر، يُعتبر الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقلين عنصراً أساسياً، ليس في البرنامج الاستشاري وحسب، بل أيضاً في البرامج الليّنة كافة لمكافحة الإرهاب في المملكة. وتقوم اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية بتقييم كل مشترك على حدة لتحديد الطريقة الأمثل التي تستطيع اللجنة الاستشارية من خلالها تقديم المساعدة له ولعائلته. على سبيل المثال، عندما يتم اعتقال رب الأسرة تقوم اللجنة بتقديم راتب بديل إلى أسرته. ويتفاوت مقدار هذا الراتب البديل وفقاً لطبيعة كل قضية على حدة. كما يتم الاهتمام بالاحتياجات الأخرى لأسرة المعتقل وتسهيل توفرها، مثل تعليم أبنائه وتوفير الرعاية الصحية لأسرته. والهدف من هذه المساعدات تعويض الأسرة عن أي مصاعب ومنع الميل إلى مزيد من التطرف بسبب اعتقال وسجن أحد أو بعض أفرادها، لأنه في حال لم يتم تقديم هذا الدعم، فإن العناصر المتطرفة على الأرجح ستدخل على الخط لتقوم بالمهمة، فضلاً عن ذلك، لا يكون الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقل حكراً على المشاركين بالبرنامج الاستشاري، بل يتم الالتفات إلى احتياجات الآخرين أيضاً، بمن فيهم العائدون من معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، والانتحاريون الذين تم اعتراضهم قبل قيامهم بتنفيذ عملياتهم، وأولئك الذين ذهبوا أو حاولوا الذهاب إلى العراق بهدف القتال. وكما سبق وأسلفنا، فإن مسؤولية تقييم الظروف الاجتماعية للعائلات واحتياجاتها كمحاولة لمنعها من الميل إلى التطرف مستقبلاً تقع على عاتق وحدة مستقلة ضمن وزارة الداخلية بإشراف الأمير محمد.
ولا ريب أنه لا ينبغي صرف النظر عن هذه الجهود، بل يجب النظر إليها وفقاً لأهميتها، لكن إلى جانب ذلك، هناك ذلك الكم الهائل من الدعم الروحي والنفسي والعاطفي والفكري غير الملموس الذي يتم توفيره للمشاركين في هذا البرنامج ولأسرهم أيضاً، والذي نادراً ما يشير إليه النقاد إن هم أشاروا إليه أصلاً. فالكثير من الاحتياجات التي تلبيها اللجنة الاستشارية غير
ظاهرة، ومن هنا يتم التركيز بشكلٍ غير متكافئ على الدعم الاجتماعي.
العملية الإرشادية


يتبع

النادر
01 - 11 - 2008, 06:36
تتمة



تجري العملية الإرشادية داخل السجن وخارجه. فإعادة التأهيل تبدأ في السجن، وفي نهاية المطاف يُنقل المشاركون إلى مؤسسة خارج السجن لاستكمال عملية إعادة التأهيل. وعندما يلتقي أعضاء اللجنة الاستشارية بأحد السجناء للمرة الأولى، فإنهم يؤكدون على أنهم غير موظفين لدى وزارة الداخلية أو مرتبطين بالأجهزة الأمنية، بل مجموعة من العلماء الذين يتمتعون بالاستقلالية والصلاح. وعندما تم البدء بهذا البرنامج الإرشادي، لم تسر اللقاءات بين المرشدين والمعتقلين على ما يُرام. وقال العديد من أعضاء اللجنة إن المعتقلين رفضوا الاجتماع برجال الدين، واتهموهم بالتآمر مع «الكفار». وغالباً ما كان المعتقلون يعتقدون أن عملية الحوار ليست سوى شكل آخر من أشكال الاستجواب. بيد أن العديد من المسؤولين في وزارة الداخلية يرفضون الربط بين عملية الاستجواب وعملية الحوار والإرشاد. ويقولون إن الشخص المعتقل لا يحق له دخول البرنامج الإرشادي إلا بعد الانتهاء من مرحلة الاستجواب. مع مرور الوقت، وبعد أن أصبح هذا البرنامج معروفاً بشكلٍ أفضل، تراجعت حدة العداء وأصبح التواصل مع المعتقلين أكثر سهولةً. والآن لا يقوم أعضاء اللجنة الاستشارية، خلال اللقاء الأول، إلا بالاستماع إلى المعتقلين. يسألونهم عن الأفعال التي ارتكبوها والأسباب التي دفعتهم إلى ذلك والظروف التي أدت بهم إلى دخول السجن. وهكذا يدخل رجال الدين في نقاش في المعتقدات الدينية للمعتقلين، ثم يحاولون إقناعهم بأن المبرر الديني لما قاموا به خاطئ وينم عن فهم فاسد للإسلام. فهم أولاً يبيّنون لهم كيف تم استدراجهم إلى تبني هذا التصور الخاطئ عن الإسلام، ثم يعلّ.مونهم التفسير الذي تتبناه الدولة للإسلام. في سبتمبر 2005 نشرت صحيفة «الشرق الأوسط» مقابلة كانت قد أجرتها مع الشيخ عبد المحسن العبيكان الذي وصف خلالها بإيجاز العملية الإرشادية، إذ قال: «تُقدَّم النصيحة عبر جلسات النقاش التي تتم في مكان ملائم. ويُطلب إلى المعتقل أن يعبّ.ر عن الشكوك كافة التي تساوره والأدلة التي يستند إليها، بعد ذلك تتم مناقشة هذه الأمور معه حتى يتم إيصاله إلى حقيقة ومعنى تلك الأدلة».
تتم في البداية جلسات الحوار بشكلٍ انفرادي، خصوصاً تلك التي تُعقد داخل السجن؛ (في بداية البرنامج كان مجموعة من الشيوخ يلتقون معاً مع كل معتقل على حدة. لكن تم التخلي في ما بعد عن هذا الأسلوب باعتباره عقيماً). وكانت هذه النقاشات تتم إما بشكلٍ رسمي وإما غير رسمي، إذ كان جزء كبير من العملية الإرشادية يعتمد على شخصيات وميول المشاركين فيها. بعد ذلك، خصوصاً بعد انتقال المعتقلين إلى «مركز الرعاية لإعادة التأهيل»، لا تعود الجلسات تقتصر فقط على المحاضرات الدينية، بل يتم تشجيع المعتقلين على النقاش والحوار، كما يقول الشيخ أحمد الجيلاني. وفي حين أن بعض الجلسات الإرشادية تتم داخل قاعات دراسية، فإن بعضها الآخر يقام في أماكن غير رسمية، وهي تشتمل في غالب الأحيان على محادثات وحوارات تتعلق بالأمور اليومية. وفي الوقت ذاته يعمل أعضاء اللجنة على تقييم المشاركين في البرنامج.
تشرف اللجنة الاستشارية على برنامجين؛ الأول يتكون من جلسات قصيرة تستمر الواحدة منها قرابة الساعتين. ورغم أن بعض السجناء يعلنون تراجعهم عن معتقداتهم بعد جلسة واحدة، إلا أنهم يحضرون عادة جلسات عدة. أما الجلسة الثانية، والتي يُطلق عليها جلسات الدراسة المطوَّلة، فتتكون من دورات مدة الواحدة منها ستة أسابيع، إذ يُخصَّص رجلا دين وعالم اجتماع لكل 20 طالباً. وخلال هذه الدورة تتم دراسة عشر مواد يتم التطرق فيها إلى مواضيع مثل التكفير والولاء والبيعة والإرهاب والأسس الشرعية للجهاد ودورات نفسية عن احترام الذات. كما يتم تلقينهم دروساً عن مفاهيم الزعامة الدينية ومركزية الإفتاء والتشريع الذي يقوم به العلماء وأهمية السلطة وضرورة الاعتراف بالمصادر الشرعية للمعرفة، إضافة إلى تعليمهم كيفية تجنب الكتب والمؤثرات المضلّ.لة والمفسدة. ويتم أيضاً تسليط الضوء على مواضيع مثل الخيانة والفتنة وإباحة العنف، إلى جانب المواضيع التي تسميها السلطات السعودية بـ «الأمن الأيديولوجي». في نهاية الدورة يخضع المشاركون إلى امتحان؛ وينتقل الذين ينجحون في هذا الامتحان إلى المرحلة التالية، التي تُسمى مرحلة التوصية بالإفراج عنهم (شريطة أن يكونوا قد استوفوا شروط الإفراج عنهم)؛ أما الذين لا ينجحون فإنهم يعيدون الدورة من جديد. لكن هذه العملية ليست واضحة المعالم على الدوام.
برامج النقاهة
تتكوّن برامج النقاهة التي تشرف عليها وزارة الداخلية من مبادرات عدة، من بينها برنامج انتقالي للمعتقلين من أجل تسهيل عودة انخراطهم في المجتمع، وبرامج لإعادة دمج العائدين من معتقل غوانتانامو، وسياسات تساعد في الحيلولة دون قيام المعتقلين الذين يُطلق سراحهم بارتكاب جرائم جديدة. وجميع هذه البرامج تلجأ إلى الشبكة الاجتماعية المحيطة بالفرد، مثل ضمان تعاون الأسرة في المساعدة على حماية المعتقل الذي يتم الإفراج عنه من الانحراف مجدداً. ويتم نقل السجناء الذين اجتازوا عملية إعادة التأهيل بنجاح وحازوا رضا الشيوخ والأطباء وعلماء النفس المسؤولين عن البرنامج، إلى مركز خارجي متخصص يُسمى «مركز الرعاية لإعادة التأهيل» لتسهيل عودتهم إلى المجتمع. ويوفّر هذا المركز الذي تأسس منذ بضعة اعوام ويضم قسماً مخصصاً للسكن، بيئة مختلفة تماماً عن بيئة السجن. ويعيش المعتقلون مع بعضهم بعضاً ضمن مهاجع، ويقومون بتحضير وجبات جماعية، كما تُتاح لهم إمكانية التمتع بساحات عشبية والخروج إلى الهواء الطلق، وهذا الإجراء الأخير مختلف بالتأكيد عن نمط الحياة التي أمضوها في السجن، فضلاً عن ذلك، لا يرتدي الحراس الموجودون في المركز اللباس الرسمي الموحّد، كما أنهم غالباً ما يختلطون مع المشاركين في البرنامج ويشاركونهم بعض الألعاب مثل كرة القدم والكرة الطائرة. ويتوافر للمعتقلين العديد من الأنشطة الترفيهية وأنشطة وقت الفراغ، والتي تُعتبر مهمة جداً في محاربة الميل إلى التطرف، ليس لأنها تبني روح التعاون وحسب، بل لأنها أيضاً تشجع على قبول الآخر والتفكير بالاندماج. ويُعتبر العلاج من خلال فن الرسم من أبرز الأنشطة الثورية المستخدمة في إعادة التأهيل؛ فاستدراج الشباب ممن لديهم ميل إلى التطرف للمشاركة في أنشطة علاجية عبر فن الرسم، بعد أن كانوا سابقاً يرفضون أي شكلٍ من أشكال الفن البصري باعتباره محرماً، يُعتبر إنجازاً كبيراً في حد ذاته. كما يُعتبر انخراط الحكومة في أنشطة العلاج عبر فن الرسم، في ظل غياب الانتقاد من المتدينين المحافظين والمتشددين في التمسك بالتقاليد الاجتماعية، مؤشراً على الطبيعة التقدمية لبرنامج إعادة التأهيل برمته.
وتوجد لدى وزارة الداخلية خططٌ لافتتاح العديد من مراكز الرعاية الجديدة الدائمة والهادفة، في كلّ. من الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، إلا أن المركز الوحيد المتوافر حالياً هو مجمع مُستأجر خارج مدينة الرياض، كان يُستخدم في السابق كمنتجعات صحراوية. وقد اعتُبر هذا المركز مرحلة انتقالية بين السجن وإطلاق السراح؛ إذ يتم إجبار المعتقلين على الإقامة فيه، علماً أنه من الممكن الإفراج عنهم بشكلٍ موقت ليوضعوا تحت رعاية عائلاتهم. وتستطيع العائلات زيارة أبنائها في المركز، كما توجد هواتف تتيح للمعتقلين التحدث إلى عائلاتهم على مدار الساعة. الهدف من هذه الجهود هو تسهيل عودة المعتقل إلى ممارسة حياته في المجتمع السعودي. كما أنها تتيح للأعضاء المسؤولين عن هذا البرنامج المجال لمراقبة الشخص المرشح للإفراج عنه من خلال مواقف عدة، واختبار مدى صدق إعادة تأهيله.
كما يوفّر المركز فرصاً قصيرة ومتكررة للاحتكاك بمظاهر الحياة خارج رعاية الدولة، عبر تنظيم إجازات خارجية ورحلات نهارية برفقة موظفي المركز. لكن يأتي هذا الأمر في المرحلة الأخيرة من البرنامج، حيث يتم إخبار المعتقلين قبل وصولهم إلى المكان المقصود، عن المدة التي سيمضونها فيه والتي تكون عادةً بين 8 و12 أسبوعاً. فإذا تقرر بأن المعتقل لم يصبح جاهزاً بعد للإفراج عنه في الوقت المحدد - على سبيل المثال، إذا كانت السلطات تعتقد بأنه سيجني فائدة أكبر إذا ما خضع لمزيد من الجلسات الإرشادية، أو إذا تم التوصل إلى أنه يخطط للانخراط في أعمال عنف - فإنه يحق له المطالبة بتعويض من الوزارة يصل إلى ألف ريال سعودي في اليوم (ما يعادل 267 دولاراً). ومنذ يونيو 2005 أصبح بإمكان المشاركين في البرنامج بعد الإفراج عنهم مقاضاة الوزارة في حال شعروا أنهم احتُجزوا لمدة أطول من تلك التي حُدّ.دت لهم في بداية الأمر. ومنذ شهر نوفمبر 2007، كما يقول الأمير نواف بن محمد، تمت مقاضاة الوزارة 32 مرة، وفي كل مرة كانت الوزارة تجعل دفاعاتها ضعيفة عن قصد، ما أدى إلى خسارتها لجميع القضايا المرفوعة ضدها. كان الهدف من هذه الاستراتيجية - التي تُعتبر جزءاً من الاستراتيجية الليّنة الكبرى التي تسعى المملكة من خلالها إلى محاربة الإرهاب - إثبات أن هناك قانوناً جاهزاً للنظر في شكاوى المعتقلين، وأنه من الممكن جداً كسب قضية ما ضد هذه الوزارة التي تُعتبر الأقوى في البلاد. وهذا يوصل رسالة مهمة جداً إلى الراديكاليين، مفادها أن القانون الذي يحتقرونه إنما يعمل في مصلحتهم.
ويتم تقسيم المقيمين في مركز إعادة التأهيل إلى ثلاث مجموعات: منتهكو الأمن المحلي؛ والأشخاص الذين اعتُقلوا وهم يحاولون الذهاب إلى العراق أوالذين عادوا من العراق؛ والعائدون من معتقل غوانتانامو. ويتم الفصل بين هذه المجموعات الثلاث، من خلال إسكان كل مجموعة منها في مكان منفصل، كما أن البرنامج الذي تخضع له كل مجموعة يكون مختلفاً قليلاً عن برامج المجموعتين الأخريين. على سبيل المثال، يركّ.ز البرنامج الخاص بالعائدين من معتقل غوانتانامو على إعادة دمجهم داخل المجتمع السعودي، بينما يُخصص للمجموعتين الأخريين وقتاً أطول للحوار والإرشاد والتعليمات. كما يتلقى العائدون من غوانتانامو نصيباً أكبر من الاستشارات النفسية، ويشاركون في أنشطة مخصَّصة لمساعدتهم على التكيف مع الحرية والتعامل مع التغيرات التي طرأت على المجتمع السعودي منذ اعتقالهم.
وُلدت خطوة إقامة مركز الرعاية لإعادة التأهيل وإنشاء المجمع السكني لإعادة التأهيل، بحكم الضرورة. فبعد أن سلّم أحد الأشخاص نفسه لكي يستفيد من العفو، وتعاون مع السلطات في العام 2005 تم التنبّه إلى حقيقة أنه يمكن تحقيق قدر أكبر من المكاسب من خلال معاملته بشكل لائق. واعتُبر حينذاك أن الحجز الوقائي هو المكان الأنسب له، لأن إيداعه السجن سيعرضه إلى الاحتكاك مع المتطرفين والتكفيريين الموجودين بداخله، ما قد يدفعه نحو مزيد من الميل إلى التطرف. وكحل وسط، طُلب من الشيخ أحمد الجيلاني أن يعيش معه أشهراً عدة يناقشه خلالها بأمور الدين والعقيدة الإسلامية. ومع مرور الوقت أصبح هذا المعتقل أكثر انفتاحاً واستعداداً للتعاون. هذا التحول أثبت أن هناك فوائد جمة يمكن الحصول عليها من خلال معاملة المشتبه بهم بشكلٍ لائق. وقد وقع الاختيار على الجيلاني بسبب مرونته وقدرته على التعليم وإدارة النقاش في الوقت ذاته. وبالتدريج بدأ الجيلاني بالخروج برفقة هذا الشخص المعتقل من السجن لفترات متزايدة. خلال ذلك الوقت كان الجيلاني يركّ.ز على تقييم سلوكه وقياس ردود أفعاله تجاه المواقف المختلفة. وبعد مضي أشهر عدة أخبر الجيلاني وزارة الداخلية أنه بفعل الدروس التي أعطاها لهذا المعتقل والمناقشات التي دارت بينهما تراجع هذا الشخص عن معتقداته السابقة، ولم يتعرض إلى الاعتقال مجدداً إلى الآن. أما الشيخ الجيلاني فيرأس حالياً مركز الرعاية لإعادة التأهيل.
الدعم الاجتماعي
الدعم الاجتماعي الذي نُميح عادةً خلال فترة الاعتقال، لا يتوقف بعد الإفراج عن الشخص المعتقل من مركز الرعاية لإعادة التأهيل. والهدف من الاستمرار في توفير هذه الخدمات هو الحؤول دون حصول انتكاسة لدى هذا الشخص، وذلك عبر الإسراع بتلبية حاجاته الاجتماعية قبل أن تتحول إلى مشاكل تؤرقه. وعندما يتم التأكد بأن هذا المعتقل قد تراجع عن المعتقدات التي كان يتمسك بها في السابق، يتم تقديم المساعدة له للحصول على عمل، وعلى بعض المنافع الأخرى، من بينها علاوات حكومية إضافية وسيارة وشقة. وتشمل مساعدة المعتقلين الحصول على عمل في القطاعين الحكومي والخاص. وهنا لابد من التركيز على أهمية القطاع الحكومي، لأن العديد من المتطرفين الذين تخلوا عن ممارسة العنف، كانوا في السابق يرفضون العمل في وظائف حكومية لأنهم كانوا ينظرون إليها على أنها غير شرعية وخارجة على الإسلام. كما تساعد وزارة الداخلية أولئك الذين كانت لديهم وظائف حكومية في السابق على العودة إلى تلك الوظائف.
في أبريل 2007 ذكرت صحيفة «الجزيرة» أن الأمير محمد أمر باعتماد التدريب التربوي خارج السجن للموقوفين الذين أخلي سبيلهم والسجناء التائبين والعائدين من غوانتانامو.
وأخيراً، بدأت اللجنة الاستشارية العمل مع غرف التجارة والمؤسسات الأخرى لافتتاح دورات تدريبية للمشاركين في البرنامج. وبموجب هذه الخطة، يصبح الموقوفون قادرين على تعلم المهارات والحصول على المؤهلات وهم لايزالون خاضعين لبرنامج إعادة التأهيل (الاستتابة) الذي يؤهلهم لأعمال أفضل وأكثر مردوداً، عند الإفراج عنهم، من تلك التي كانوا يقومون بها سابقاً.
وتأمل الحكومة أن يؤدي هذا التدريب، عندما يقترن بتمويل من الحكومة في البداية، إلى تمكين المعتقلين الذين أُخلي سبيلهم من البدء في مشاريعهم التجارية الخاصة، مثل وكالات السفر وورش إصلاح السيارات ومكاتب الدعم المهني.
وبعد الإفراج عنهم، يُطلب إلى الموقوفين السابقين مراجعة السلطات بشكل دوري. كما يتم تشجيعهم على الاستمرار في الاجتماع بالعلماء الذين كانوا يحاورونهم داخل السجن. وحسب العاملين في البرنامج، يستمر الكثيرون في حضور الحلقات الدراسية في المسجد بعد الإفراج عنهم. ويتم تشجيع السجناء الذين تم تأهيلهم على الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، لأن الشباب عادة يكونون أقل استعداداً للانخراط في المشاكل بعد أن تصبح لديهم مسؤوليات عائلية. وقد سهلت الحكومة هذه العملية عبر المساهمة في تمويل حفلات الزفاف والتبرع بالمهور، وتغطية النفقات الضرورية السابقة على الزواج مثل تأمين الأثاث وتجهيز المسكن. كما يظل العاملون في البرنامج على اهتمام بحياة الموقوفين السابقين، كأصدقاء وناصحين، ويواظب كبار المسؤولين في وزارة الداخلية واللجنة الاستشارية على حضور حفلات زفاف الموقوفين السابقين. وهكذا يعمل البرنامج بطرق مختلفة على مساعدة الموقوفين على تجاوز فترة من حياتهم تكون فيها النشاطات المسلحة لا تزال هي الأكثر إغراء.
ويتم ضمان نجاح البرنامج أكثر عبر مشاركة اللجنة الاستشارية في الشبكة العائلية الأوسع للسجين. وتعزز وزارة الداخلية برامج الدعم الاجتماعي لتشمل العائلة والقبيلة. وبذلك تتابع دعمها في إبقاء الموقوف على جادة الصواب بعد الإفراج عنه. والعلاقة هنا ليست دقيقة، إذ تعلن الوزارة أنها سوف تعتبر العائلة الممتدة مسؤولة إذا ما ارتكب المعتقل الذي تم الإفراج عنه أي مخالفات جديدة. وحسب المقابلات التي أُجريت، فإن الحكومة تلجأ إلى التهديد بالحرمان من المكاسب الجماعية، كالوظائف والمساعدات الاجتماعية، كي تحصل على التزام من الشبكة الاجتماعية الأوسع للمعتقل بأنه سيبتعد عن إثارة المشكلات.
وتستفيد العملية من عدد من الأعراف السعودية المهمة، بما فيها المسؤولية الاجتماعية وفكرة الشرف والاعتراف بالعائلة التقليدية وتراتبية العلاقة في العائلة الممتدة. فمثلاً حين يسمح لأحد الموقوفين بالمغادرة لحضور المناسبات العائلية كالزفاف أوالوفاة، يجب أن يتقدم ثلاثة من أفراد العائلة لضمان عودته؛ وفي حال عدم عودة الموقوف، يحل أفراد العائلة الثلاثة محله. وإلى الآن لم يستغل أي من السجناء هذا الإفراج العائلي الموقت لمحاولة الهرب. ويعزز استخدام شبكات العلاقات الاجتماعية السعودية، والالتزامات العائلية والمسؤوليات الممتدة أهداف البرنامج، وتضفي عليه المزيد من الشرعية عندما لا يعود الموقوف خاضعاً لإشراف اللجنة المباشر.
ما مدى نجاح البرنامج؟
منذ بدء حملة إعادة التأهيل وفك ارتباط المتشددين بالتطرف بعد الهجمات الإرهابية في الداخل السعودي العام 2003 شارك نحو ثلاثة آلاف سجين في جوانب من البرنامج الإرشادي، وقد تخلى نحو 1400 منهم عن قناعاتهم السابقة وأُخلي سبيلهم، كما يقول الأمير محمد بن نايف. من الصعب للغاية الحصول على أرقام دقيقة، لكن هناك تقريباً نحو ألف سجين لا يزالون قيد الاعتقال؛ ويشمل هذا الرقم الأشخاص الذين لا يزالون يخضعون لعملية إعادة التأهيل وأولئك الذين أتموا البرنامج لكنهم يستكملون تنفيذ الأحكام التي صدرت بحقهم، إضافة إلى أولئك الذين حاولوا وفشلوا أو رفضوا المشاركة كلياً. وقد أشارت السلطات السعودية إلى أن بعض السجناء سعوا بجدية إلى العمل ضد البرنامج داخل السجون. وهؤلاء السجناء يدركون أنهم لن يتمكنوا من الخروج ويشعرون أن بمقدورهم خدمة قضيتهم على أفضل وجه عبر محاولة إفشال محاولات السلطات لاستيعاب السجناء الآخرين. لكن يمكن القول إن رغبتهم في العمل ضد البرنامج الإرشادي من الداخل، تعني أنهم يدركون أن البرنامج يحقق نجاحاً.
جميع الموقوفين الذين أُخلي سبيلهم ممن شاركوا في البرنامج داخل السجن كانوا من الرجال؛ وقد كُشف النقاب في يوليو من العام 2008 عن وجود عدد قليل من النساء المتهمات أمنياً واللواتي خضعن إلى برنامج إرشادي مماثل. ووفقاً لتقارير وسائل الإعلام السعودية، نفذ البرنامج الخاص بالنساء في بيوتهن، وبحضور أفراد عائلاتهن، بدلاً من تنفيذه في السجن. ورغم المزاعم الرسمية بعدم وجود متطرفات داخل السجون السعودية، يُعتقد أن بعض النساء معتقلات بتهم ذات صلة بالإرهاب. وغالبيتهن قُبض عليهن مع أزواجهن أو أقارب ذكور وهن متهمات بالتواطؤ في ما ينسب إلى الرجال.

حتى الآن حقق البرنامج نتائج مبشرة إذ تقدر السلطات السعودية نسبة النجاح بين 80 و 90 في المئة، وتشمل نسبة الفشل الباقية والبالغة 10 - 20 في المئة أولئك الموقوفين الذين رفضوا المشاركة في البرنامج، إضافة إلى الذين لم ينجحوا في برنامج إعادة التأهيل. من الصعب قياس النجاح النسبي الذي حققه البرنامج الإرشادي اعتماداً على مصادر مستقلة، خصوصاً في الفترة القصيرة التي تلت بدء البرنامج. ففي الأحوال العادية هناك حاجة لفترة خمسة أعوام لقياس معدلات العودة إلى الجريمة بشكل صحيح.
على كل حال، وكما يقول الأمير محمد، اعتباراً من الأول من نوفمبر 2007، لم يتم إعادة اعتقال سوى 35 شخصاً لأسباب أمنية بعد إطلاق سراحهم عبر البرنامج الإرشادي، وهذا ما يعادل نسبة انتكاس لا تزيد على 1 إلى 2 في المئة، ويعترف المسؤولون باحتمال وجود تجاوزات لا يعلمون بها.
ومن المهم أن نلاحظ أنه حتى الآن لم يشارك أي ممن أطلق سراحهم عبر برنامج الإرشاد في أي هجمات إرهابية داخل المملكة. وحسب السلطات السعودية، بينما يمكن لأولئك «الذين تلطخت أيديهم بالدماء» أن يشاركوا في عملية إعادة التأهيل، وبعضهم شارك فعلاً، فإنهم يحرمون من إخلاء السبيل المبكر. ويؤكد المسؤولون السعوديون أيضاً أنه لا يتم إطلاق سراح جميع الذين يشاركون في البرنامج. فإخلاء السبيل يتوقف على إتمام البرنامج بنجاح وإقناع الأطباء وعلماء النفس في اللجنة الاستشارية أن عملية إعادة التأهيل حقيقية. كما أن إتمام البرنامج ليس ضمانة لإخلاء السبيل. فإذا بقي بعض الوقت على انتهاء حكم شخص ما(بالنسبة لمن خضعوا لمحاكمة رسمية)، فإن هذا يعني أن عليه إكماله قبل إخلاء سبيله، وفق ما تقول السلطات السعودية. وأكثر من ذلك، إذا حصلت وزارة الداخلية على معلومات تفيد بأن شخصاً ما أكمل البرنامج (أو نفذ الحكم الصادر بحقه) ولكنه يخطط للقيام بأعمال عنف، لا يُخلى سبيله.
وبذلك يكون الذين تم إطلاق سراحهم من خلال البرنامج الإرشادي ممن ارتكبوا جرائم صغيرة نسبياً. وفي ميزان مرتكبي جرائم الأمن الداخلي، لايعد هؤلاء من الجهاديين العنيفين المتشددين. لقد كانوا إلى حد بعيد أشخاصاً مشجعين أومتعاطفين، مثل أولئك الذين ضبطوا وبحوزتهم مواد دعائية متطرفة أوضبطوا وهم يروجون للتطرف عن طريق الإنترنت. وعموماً فإن هؤلاء يشكلون الفئة الأسهل على صعيد التعاون بالنسبة إلى السلطات. ويشارك في البرنامج أيضاً بعض الأشخاص الذين كانوا يبحثون عن وسيلة للخلاص. فكثيرون من هؤلاء وجدوا أنفسهم عن غير قصد متورطين مع الإرهابيين، وحين عرفوا مع من يتعاملون، سعوا إلى التعاون مع السلطات. هذه الفئة من المخالفين كانوا غالباً يخضعون إلى جلسات دراسية مدتها ساعتان، بالمقارنة مع الجلسات الطويلة التي ورد ذكرها سابقاً.
ورغم وجود ما يبرر الاعتقاد بأن بعض كبار المتشددين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل، فإن نجاح البرنامج النسبي حتى الآن يستمد قوته من مشاركة المخالفين الصغار الذين يتوقع أن يشاركوا أكثر من المتطرفين الملتزمين من المستويات العليا. وبذلك يبقى أن نرى كم سيكون هذا البرنامج مجدياً على المدى الطويل للأمن في المملكة العربية السعودية. وفي حين يبدو هذا البرنامج واعداً، يظل أمامه مواجهة الاختبار الصعب عند تطبيقه على المتشددين الأكثر التزاماً، بمن فيهم الذين مارسوا العنف داخل المملكة.
بعض هؤلاء المتطرفين لا يمكن إعادة تأهيلهم ولا يرغبون في ذلك. ومن المهم أن نلاحظ أنه وإن كان البعض لن يتخلى عن معتقداته فإن مجرد أن يعمل البرنامج على تشجيع مشاركتهم يعد أمراً إيجابياً.
إن البرنامج الإرشادي والاستراتيجيات المضادة للتطرف في المملكة تبرز عدداً من العوامل التي ستكون جوهرية في أي جهود لفكك ارتباط الإسلاميين المتشددين بالتطرف. وانخراط عائلة الفرد المعني هنا وشبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة به أمر أساسي في أي عملية فكك ارتباط ناجحة. لقد بينت الدراسات التي أُجريت على البرنامج السعودي أن المشاركين يبنون علاقات عميقة مع الشيوخ والباحثين الذين يتفاعلون معهم خلال الحوارات. وسيغادر غالبهم السجن كمسلمين شديدي التدين وملتزمين. وهذا أمر متوقع، لأن كثيرين منهم بدأوا علاقتهم بالمتطرفين كي يصبحوا أكثر تديناً. ويعتمد نجاح البرنامج، في جزء منه أيضاً، على إدراك أن كون الشخص متطرفاً لا يعني أنه سيء بالفطرة. إن ممارسة المعتقدات المتطرفة، عبر العنف، هو السلوك الذي ينبغي تعديله. ويمكن تفسير حقيقة أن الغالبية العظمى من السجناء الذين أكملوا البرنامج لا يتصرفون بناء على ما كانوا يؤمنون به في السابق، كأحد مؤشرات النجاح، بغض النظر عما إذا كانت توبتهم صادقة في نهاية الأمر.

يتبع

النادر
01 - 11 - 2008, 06:37
من المؤكد أن الاهتمام ببرامج التأهيل سوف يتزايد، وسط الأحوال الخطرة السائدة هذه الأيام، وكثير من الدول سوف تنفذ برامج على النمط المعمول به في المملكة العربية السعودية. ومع أنها بدأت في العام 2004 تُعتبر العملية السعودية أفضل برنامج مضاد للتطرف في العالم من ناحية الشمولية والتمويل والاستمرارية. فحين بدأت سنغافورة برنامجاً لمكافحة التطرف، اعتمدت جزئياً في عملها على النموذج السعودي. والاستراتيجية التي استخدمتها قوات المارينز في مشروع «Task Force 134 House of wisdom»، والتي تتعامل مع الموقوفين من المقاتلين العراقيين، وضعت اعتماداً على خبرات المسؤولين السنغافوريين. وخلال أعوام قليلة، استطاعت الاستراتيجية اللينة التي تبنتها المملكة العربية السعودية لمكافحة التطرف والإرهاب أن تقدم بعض النتائج المبشرة جدا. لكنها بحاجة إلى مزيد من التقييم، خصوصاً أن دولاً أخرى تخوض صراعاً مع الإرهاب تتطلع إلى ما يجري تحقيقه في المملكة لاستخلاص العبر التي يمكن الاستفادة منها في بلدانهم. وعبر بلدان الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، ثمة برامج مماثلة بدأت بالظهور. كما أن وجود دول أخرى تقلد البرنامج السعودي يعني الاعتراف بعدم إمكانية هزيمة الإرهاب اعتماداً على الإجراءات الأمنية الصارمة فقط، وهذا بحد ذاته إنجاز كبير.[/B][/COLOR]

http://www.alraimedia.com/Alrai/Resources/ArticlesPictures/2008/10/30/33b7d86a-cb87-4691-8b7c-265ce96eeb2b.jpg


كريستوفر بوشيك



http://www.alraimedia.com/alrai/Article.aspx?id=88684

رابط الدراسة كاملة لمن أراد التأكد

http://carnegieendowment.org/files/cp97_boucek_saudi_arabic.pdf




مكان التفجير في الرياض عام 2003


http://www.alraimedia.com/Alrai/Resources/ArticlesPictures/2008/10/30/a7dbdd59-6a60-48c1-959a-03bda04b0faf_smaller.jpg

النادر
01 - 11 - 2008, 06:38
كارنيجي: السعودية تكافح الإرهاب بالقوة الناعمة



تحظى التجربة السعودية في مجال مكافحة الإرهاب باهتمام كبير من قبل العديد من مراكز الأبحاث الغربية، بل وحتى المسئولين الغربيين أنفسهم، فقد استطاعت السعودية بعد مرور أكثر من خمس سنوات على بدء موجة الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها في عام 2003، أن تحقق نجاحات كبيرة في مجال الحرب ضد الإرهاب.

واللافت في التجربة السعودية أن النجاح الكبير الذي حققته لا يعود إلى اتباع المملكة نهجا أمنيا صارما في التعامل مع الإرهابيين، بل يعود ذلك النجاح -في جانب كبير منه- إلى الإستراتيجية "الناعمة" التي انتهجتها المملكة، والتي تتعامل مع الإرهاب من منطلق رؤية شمولية تأخذ في الاعتبار الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للظاهرة الإرهابية.

وفي هذا الإطار أصدرت مؤسسة "كارنيجي" للسلام الدولي، مطلع أكتوبر الجاري، دراسة مفصلة تناولت الإستراتيجية "الناعمة" التي اتبعتها الحكومة السعودية لمكافحة الإرهاب، وكانت الدراسة حصيلة حلقة نقاش تحدث فيها كل من "كريستوفر بوشيك" من المعهد الملكي للدفاع والدراسات الأمنية في لندن، و"ديل ديلي" منسق مكافحة الإرهاب ﻓــﻲ الخارجية الأمريكية، وباحثون من "مركز كارنيجي".

وأشارت الدراسة إلى أن الإستراتيجية السعودية اعتمدت على ثلاثة مقومات رئيسية هي: الوقاية، وإعادة التأهيل، وبرامج النقاهة، انطلاقا من قناعة سعودية مفادها أنه لا يمكن إلحاق الهزيمة بالتطرف من خلال الوسائل الأمنية التقليدية وحدها، بل لابد من خوض "مواجهة فكرية" معه.

البرامج الوقائية

اعتمدت السعودية مئات من البرامج التي تهدف إلى توفير الوقاية، وتشمل هذه البرامج نشاطات لتثقيف الجمهور في شأن الإسلام الراديكالي ومخاطر التطرف، إضافة إلى تحييد الميل إلى التطرف عن طريق توفير البدائل.

وتهدف كثير من هذه البرامج، التي تطبق من خلال "إدارة الإرشاد" في وزارة الداخلية، إلى مواجهة التطرف من خلال تشجيع ونشر تفسير للعقيدة الدينية هو أكثر حصافة وخلوا من التكفير.

ونظرا لأن الشباب هم أكثر الفئات انجذابا للمتطرفين، كما بينت بعض الدراسات، فقد قامت الحكومة السعودية باستحداث نشاطات لإشغالهم وإبعادهم عن المتطرفين، مثل المناسبات الرياضية وسباقات السيارات والجمال، والنزهات في الصحراء بواسطة سيارات الدفع الرباعي، وذلك لمنافسة المعسكرات الصيفية والخلوات الدينية المشكوك في أمرها التي كانت تنظّمها الجماعات المتطرفة مرارا في السابق.

وبدأت وزارة الإعلام، من خلال برامج وقائية أخرى، سلسلة من المشروعات للوقاية من الإرهاب، بعضها للشباب وبعضها الآخر للكبار، مستخدمة في ذلك التلفزيون والصحف ووسائل الاتصال الأخرى، علاوة على إعارة الخبراء للمدارس والمساجد للحديث عن مخاطر التطرف، وتنظم وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد محاضرات ودروسا بالمساجد في كل أنحاء البلاد، مستخدمة الخطباء.

وبالإضافة إلى ما سبق، تنظم وزارة التربية محاضرات وبرامج في مدارس المملكة لتعليم وتحذير التلاميذ في سن مبكرة من مخاطر التطرف وآثار الإرهاب والعنف، من خلال توزيع الكتب والنشرات والمواد التي تهدف إلى تنوير آباء التلاميذ والعائلات.

وفي سياق هذه الحملة الواسعة، تستمر البرامج والنشاطات في المدارس السعودية كل أسبوع، وطبقا لبعض التقديرات الحكومية، تجرى كل يوم حوالي سبعة نشاطات مختلفة تهدف إلى تقليص الدعم العلني والسري للتطرف بآلاف المدارس في كل أنحاء المملكة.

وقامت الحكومة كذلك بخطوات لمكافحة عمليات التجنيد الإرهابي في المدارس، عبر مراقبة المعلمين، حيث يرى المسئولون السعوديون أن أكبر مصدر للميل إلى التطرف في النظام التعليمي هو "المدرسون المنحرفون" الذين يسيئون استغلال وقتهم مع التلاميذ بمناقشة قضايا خارج المنهج الدراسي، مثل السياسة والدين والدفاع عن المواقف المتطرفة.

وبعد انتهاء عملية المراقبة يتم إرسال المعلمين المثيرين للمشاكل إلى كلية الملك فهد للعلوم الأمنية كي يتم إعادة تدريبهم، وبعد حضور سلسلة من خمس جلسات عن التطرف والإرهاب،

يتم تعيين المدرسين الذين يواصلون الخروج على المنهاج الدراسي في مناصب إدارية بعيدا عن التلاميذ، بينما يتم -على ما يبدو- طرد أولئك الذين لا يمكن إعادة تدريبهم.

حملة المعلومات العامة والاتصال

مثلت الحملة الشاملة للمعلومات العامة والتوعية جانبا أساسيا من البرنامج الوقائي السعودي، وتهدف هذه الجهود إلى تعزيز التعاون بين الدولة والجمهور، وتسليط الضوء على الضرر الذي يتسبب فيه الإرهاب والتطرف، ووضع حد لدعم الجمهور وتسامحه مع المعتقدات المتطرفة.

ففي أعقاب تفجيرات الرياض في العام 2003، وضعت الحكومة لافتات ولوحات في أنحاء المدن الرئيسية تركز على شرور الإرهاب، وتلفت تلك اللوحات -والتي علقت على المفارق والتحويلات في الطرق الرئيسية- أنظار المواطنين السعوديين إلى المذابح التي سببتها الهجمات الإرهابية.

وحوت اللافتات أيضا شعارات مثل "ديننا يرفض الإرهاب"، بالإضافة إلى صور للفظائع التي ارتكبتها الجماعات الإرهابية جنبا إلى جنب مع صور المصلين وهم يصلون داخل الحرم المكي، علاوة على صور التقطت من مواقع بعض الهجمات وصور أخرى لحطام سيارات مفخخة.

وكان الهدف من هذه اللوحات هو تعزيز التعاون بين الشرطة وضباط الأمن العام من جانب وبين الجمهور من جانب آخر، فضلا عن دمغ المتطرفين والمتعاطفين معهم بوصفهم أغرابا لا يعملون لمصلحة الناس بل لخدمة أجنداتهم الخاصة.

إعادة التأهيل

يشكل برنامج الإرشاد لب الإستراتيجية السعودية لإعادة التأهيل، ويهدف إلى إعادة تأهيل وتثقيف المتطرفين والمتعاطفين معهم، من خلال نقاشات دينية مكثفة ونصائح نفسية لفك ارتباطهم بالتطرف، ولتشجيع المتطرفين على إدانة "المعتقدات الإرهابية"، وخصوصا عقيدة التكفير.

ولا يقوم برنامج الإرشاد على فلسفة الثواب والعقاب، بل على فرضية "الميل إلى فعل الخير"، بمعنى أن الدولة لا تسعى إلى الانتقام من المتطرفين، من خلال هذا البرنامج، ولكنها تنطلق من قناعة لديها أن المشتبه فيهم تعرضوا للكذب والتضليل من جانب المتطرفين كي ينحرفوا عن الإسلام الحقيقي، ومن منطلق أن المتطرفين يؤثرون سلبا على الأشخاص الذين يرغبون في معرفة المزيد عن دينهم، ومن ثم يفسدونهم من خلال احتكاكهم بأيديولوجياتهم المتطرفة، ولذلك يقدم الإرشاد بوصفه مساعدة لضحايا الميل إلى التطرف لا عقوبة للمخالفين.

وتعتبر "اللجنة الاستشارية" في وزارة الداخلية برئاسة الأمير محمد بن نايف، التي مقرها الرياض ولها ممثلون دائمون في سبع مدن كبرى، هي المسئولة الأولى عن برنامج الإرشاد، حيث يقوم أعضاؤها بزيارة السجون في أنحاء البلاد ويلتقون مع المحتجزين فيها.

وتتكون اللجنة من أربع لجان فرعية هي:اللجنة الدينية، واللجنة النفسية والاجتماعية، واللجنة الأمنية، واللجنة الإعلامية.

وتعتبر اللجنة الدينية أكبر اللجان الفرعية، كما أنها تتألف من 150 عالما سعوديا وأستاذا جامعيا.

وتتكون اللجنة النفسية والاجتماعية من حوالي 50 من علماء النفس والأطباء النفسانيين وعلماء الاجتماع والباحثين، وهم مسئولون عن تقييم الوضع الاجتماعي للسجين، وتحليل أي مشكلات نفسية يعانيها، وتقييم سلوك السجين وطواعيته خلال البرنامج.

وتقيّم اللجنة كذلك، مشاركة المحتجز، في محاولة لتقرير إذا ما كانت عملية إعادة التأهيل تؤتي ثمارها أم لا؟ كما أنها مسئولة عن تقرير نوع الدعم الذي قد يحتاجه المحتجز وعائلته بعد الإفراج عنه، لتعويض المصاعب التي تسبب فيها سجنه وتقليص فرص تحول أفراد آخرين من عائلته إلى التطرف.

أما اللجنة الأمنية فتؤدي عددا من الوظائف، منها تقييم السجناء طبقا للمخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقديم توصيات بشأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية، واللجنة النفسية والاجتماعية.

وتقدم اللجنة أيضا المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلا، كما تعمل على مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن حيث يتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريبا، بأنه ستتم مراقبتهم سرا وعلانية.

ولا ينتهي دور هذه اللجان الثلاثة بعد خروج المعتقلين من السجون حيث يبقى أعضاء كل من اللجنة الدينية واللجنة النفسية والاجتماعية على اتصال مع خريجي البرنامج، وتستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور كما هو مخطط لها وللتأكد من عدم وجود أية مشاكل.

أما اللجنة الإعلامية، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة ببرنامج الإرشاد، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد، ويتم توصيل القسم الأكبر من عمل اللجنة إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.

وتقوم اللجنة بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج، كما تساهم بالتنسيق مع وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية، في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس.

مرحلة النقاهة

تتكوّن برامج النقاهة التي تشرف عليها وزارة الداخلية من مبادرات عدة، من بينها برنامج انتقالي للمعتقلين من أجل تسهيل عودة انخراطهم في المجتمع، وبرامج لإعادة دمج العائدين من معتقل جوانتانامو، وسياسات تساعد في الحيلولة دون قيام المعتقلين الذين يطلق سراحهم بارتكاب جرائم جديدة.

ويتم نقل السجناء الذين اجتازوا عملية إعادة التأهيل بنجاح وحازوا رضا الشيوخ والأطباء وعلماء النفس المسئولين عن البرنامج، إلى مركز خارجي متخصص يسمى "مركز الرعاية لإعادة التأهيل" لتسهيل عودتهم إلى المجتمع.

ويوفر هذا المركز للسجناء بيئة مختلفة تماما عن بيئة السجن، فعلى سبيل المثال تتاح للسجناء إمكانية التمتع بساحات عشبية والخروج إلى الهواء، كما أن الحراس الموجودين في المركز لا يرتدون اللباس الرسمي الموحد، وغالبا ما يختلطون مع المشاركين في البرنامج ويشاركونهم بعض أنشطتهم.

ويعتبر هذا المركز مرحلة انتقالية بين السجن وإطلاق السراح؛ إذ يتم إجبار المعتقلين على الإقامة فيه، لمدة تتراوح عادة بين 12:8 أسبوعا، علما أنه من الممكن الإفراج عنهم بشكل مؤقت ليوضعوا تحت رعاية عائلاتهم، وتستطيع العائلات زيارة أبنائها في المركز، كما توجد هواتف تتيح للمعتقلين التحدث إلى عائلاتهم على مدار الساعة.

الدعم الاجتماعي

لا يتوقف الدعم الاجتماعي بعد الإفراج عن الشخص المعتقل من "مركز الرعاية لإعادة التأهيل"، وذلك للحيلولة دون حصول انتكاسة لدى هذا الشخص، وذلك عبر الإسراع بتلبية حاجاته الاجتماعية قبل أن تتحول إلى مشاكل تؤرقه.

وعندما يتم التأكد من أن هذا المعتقل قد تراجع عن المعتقدات التي كان يتمسك بها في السابق، يتم تقديم المساعدة له للحصول على عمل، وعلى بعض المنافع الأخرى، من بينها علاوات حكومية إضافية وسيارة وشقة، كما تساعد وزارة الداخلية أولئك الذين كانت لديهم وظائف حكومية في السابق على العودة إلى تلك الوظائف.

ومؤخرا، بدأت اللجنة الاستشارية العمل مع غرف التجارة والمؤسسات الأخرى لافتتاح دورات تدريبية للمشاركين في البرنامج.

وبموجب هذه الخطة، يصبح الموقوفون قادرين على تعلم المهارات والحصول على المؤهلات وهم لا يزالون خاضعين لبرنامج إعادة التأهيل )الاستتابة).

ويتم تشجيع السجناء الذين تم تأهيلهم على الاستقرار والزواج وإنجاب الأطفال، لأن الشباب عادة يكونون أقل استعدادا للانخراط في المشاكل بعد أن تصبح لديهم مسئوليات عائلية.. وقد سهلت الحكومة هذه العملية عبر المساهمة في تمويل حفلات الزفاف والتبرع بالمهور، وتغطية النفقات الضرورية السابقة على الزواج مثل تأمين الأثاث وتجهيز المسكن.

هل نجح برنامج الإرشاد ؟

منذ بدء حملة إعادة التأهيل وفك ارتباط المتشددين بالتطرف بعد الهجمات الإرهابية في الداخلالسعودي عام 2003، شارك حوالي 3000 سجين في جوانب من البرنامج الإرشادي، تخلى نحو 1400 منهم عن قناعاتهم السابقة وأخلي سبيلهم.

ورغم أنه من الصعب للغاية الحصول على أرقام دقيقة، فإنه ما يزال هناك تقريبا 1000 سجين قيد الاعتقال؛ ويشمل هذا الرقم الأشخاص الذين لا يزالون يخضعون لعملية إعادة التأهيل وأولئك الذين أتموا البرنامج لكنهم يستكملون تنفيذ الأحكام التي صدرت بحقهم، إضافة إلى أولئك الذين حاولوا وفشلوا أو رفضوا المشاركة كليا.

وحقق البرنامج حتى الآن نتائج مبشرة، إذ تقدر السلطات السعودية نسبة النجاح بين 90:80%، وتشمل نسبة الفشل الباقية والبالغة من 20:10% أولئك الموقوفين الذين رفضوا المشاركة في البرنامج، إضافة إلى الذين لم ينجحوا في برنامج إعادة التأهيل.

وتختم الدراسة بإبداء بعض الملاحظات على الإستراتيجية الناعمة التي اتبعتها السعودية:

أولا: يبرز البرنامج الإرشادي عددا من العوامل ربما تكون جوهرية في أي جهود لفك ارتباط الإسلاميين المتشددين بالتطرف، ومن بين هذه العوامل انخراط عائلة الفرد المعني وشبكة العلاقات الاجتماعية المحيطة به في عملية إعادة تأهيله.

ثانيا: أن يعتمد نجاح برنامج إعادة التأهيل، في جزء منه أيضا، على إدراك أن كون الشخص متطرفا لا يعني أنه سيئ بالفطرة.

ثالثا: من المؤكد أن الاهتمام ببرامج التأهيل سوف يتزايد، وسط الأحوال الخطرة السائدة هذه الأيام، وكثير من الدول سوف تنفذ برامج على النمط المعمول به في المملكة العربية السعودية، حيث تعتبر العملية السعودية أفضل برنامج مضاد للتطرف في العالم من حيث الشمولية والتمويل والاستمرارية.

ويدل على ذلك أن سنغافورة حين بدأت برنامجا لمكافحة التطرف، اعتمدت جزئيا في عملها على النموذج السعودي.

http://www.islamonline.net/servlet/Satellite?c=ArticleA_C&cid=1225200772641&pagename=Zone-Arabic-News/NWALayout