النادر
01 - 11 - 2008, 06:33
«الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب... الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة»
http://up.x333x.com/uploads/67f97c4d88.jpg
صدر أخيراً عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» دراسة بعنوان «الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب... الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة» للباحث كريستوفر بوشيك. الدراسة قدمت شرحاً مفصلاً للاستراتيجية السعودية القائمة على منهاج إرشادي وتربوي وديني، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى توبة الأشخاص الذين كانوا يحملون فكراً منحرفاً، بعدما تبين لهم من خلال الحوار وأسلوب الإقناع خطأ الأفكار التي كانوا يعتقدون بها.
بوشيك، الذي استند في بحثه على معطيات ميدانية من واقع التجربة السعودية في مكافحة الإرهاب في إطار «حرب الأفكار»، سلط الضوء على جهد وزارة الداخلية السعودية التي يتولاها الأمير نايف بن عبدالعزيز، إضافة إلى إشراف الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، على إدارة حملة مكافحة الإرهاب التي أصبحت نموذجاً تستلهم منه الدول الأسلوب الناجع في استراتيجياتها ضد الإرهاب.
ويشير بوشيك إلى أنه عقب موجة من الهجمات الإرهابية المميتة التي بدأت في العام 2003، أطلقت المملكة العربية السعودية حملة واسعة لمكافحة الإرهاب. ومثّل استخدام الإجراءات غير التقليدية «الليّنة» الهادفة إلى محاربة التبريرات الفكرية والأيديولوجية للتطرف جانباً أساسياً في الجهود السعودية. والهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية منازلة ومحاربة أيديولوجيا تؤكد الحكومة السعودية أنها تستند إلى تفسيرات فاسدة ومنحرفة للإسلام. وتتكون الاستراتيجية السعودية من ثلاثة برامج مترابطة تهدف إلى الوقاية وإعادة التأهيل وتوفير النقاهة بعد الإفراج عن المعتقلين.
تجدر الإشارة إلى أن كريستوفر بوشيك يعمل زميلاً في «برنامج كارنيغي للشرق الأوسط». وقبيل انضمامه إلى «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» عمل بوشيك باحثاً في جامعة برنستون ومحاضراً في علوم السياسة في مدرسة وودرو ولسون. وعمل بوشيك في السابق محللاً إعلامياً في السفارة السعودية في واشنطن، كما عمل لأعوام في معهد الخدمات الملكية الموحدة لدراسات الأمن والدفاع في لندن، إذ لا يزال زميلاً في المعهد المذكور. وفي الفترة بين عامي 2003 و 2005 عمل محرراً أمنياً في «مجموعة جينز للمعلومات». كتب العديد من الدراسات عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والإرهاب لمجموعة من المطبوعات بما فيها صحيفة «واشنطن بوست»، و«سي تي سي سنتينل»، و«جينز إنتلجنس ريفيو»، وشمجلة الدراسات الليبية»، و«ستراتيجيك إنسايتس»، و«تيروريزم مونيتور».
«الراي» تنشر هذه الدراسة المهمة على حلقتين لما تتضمنه من تجرية رائدة للمملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب.
سنغافورة اعتمدت جزئياً في برنامجها لمكافحة التشدد على نموذج المملكة... واستراتيجية «المارينز» في التعامل مع المقاتلين العراقيين الموقوفين استندت إلى خبرات المسؤولين في الأولى
الرسم... نشاط ثوري لإعادة تأهيل المتطرفين
[COLOR="red"]تؤدي اللجنة الأمنية الفرعية، التابعة لـ «اللجنة الاستشارية» التي يقدمها برنامج الإرشاد في وزارة الداخلية السعودية، عدداً من الوظائف، لكنها ليست كلها معروفة علناً. وتقيّم اللجنة السجناء لجهة المخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقدم توصيات في شأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. وتقدم اللجنة أيضاً المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلاً. وتعتبر مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن أساسية في عمل هذه اللجنة. ويتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريباً، بأنه ستتم مراقبتهم سراً وعلانية، وأن استمرار تمتعهم بالحرية يعتمد على بقائهم بعيدين عن أصدقائهم السابقين وعاداتهم السابقة. ويتم إخطارهم بمن يمكنهم مخالطته ومن لا يمكنهم، كما يُطلب إليهم مراجعة اللجنة الفرعية. ومن المتفق عليه أن يراجع المشاركون في البرنامج اللجنة بانتظام.
يبقى أعضاء اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية على اتصال مع خريجي البرنامج. ويقوم رجال الدين بالتشاور مع شركائهم السابقين في الحوار، في ما يواصل المحتجزون السابقون الدراسة مع الشيوخ الذين كانوا يقدمون لهم النصح والمشورة في السجن. وعند الإفراج عنهم، يتم تشجيعهم على متابعة هذا التواصل واللجوء إلى الشيوخ أو الأطباء كلما احتاجوا إلى ذلك، وهو أمرٌ يحدث بشكل شبه منتظم، حسب قول أعضاء اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. في غضون ذلك، تستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور، كما هو مخطط لها، وللتأكد من عدم وجود أي مشاكل. وفيما يتطوّع الكثيرون من أعضاء اللجنة الاستشارية للقيام بهذا الأمر بكل اندفاع، خصوصاً رجال الدين، إلا أن مراقبة السجناء السابقين في قضايا أمنية تبقى جزءاً من مسؤوليتهم.
أما اللجنة الإعلامية الفرعية، التي تركّ.ز على تقديم الخدمات والتعليم، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة بالبرنامج، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد. وقد قامت اللجنة بإجراء بحث موسَّع عبر الإنترنت والإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام المكتوبة، وتوصلت إلى أن أفضل طريقة تمكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف - من الشباب السعوديين الذين يُعتبرون أكثر شريحة معرضة إلى خطر التجنيد على يد المتطرفين - هي صلاة الجمعة. وهكذا فإن قسماً كبيراً من عمل اللجنة يتم توصيله إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.
وتسعى هذه اللجنة الفرعية، عبر المواد التي تستخدمها، للتأكيد على رسائل عدة، من بينها المفهوم القائل إن المتطرفين يستغلون المتطوعين لترقية قضيتهم، وإن الذين وافقوا المتشددين في الرأي أساؤوا فهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإسلام. ومن الأمثلة على المواد التي تقدمها اللجنة الإعلامية الفرعية البرنامج التلفزيوني الذي يتناول موضوع أحد الأشخاص الذين تم تجنيدهم للقيام بهجوم إرهابي. وعندما علم هذا الشخص، وهو شاب سعودي، بأن الهجوم سيكون عملية انتحارية، رفض تنفيذه، لكن الإرهابيين خدعوه وقاموا بتفجير المتفجرات التي كان يحملها بالتحكم عن بعد. نجا الشخص الذي ظهر في البرنامج، إلا أنه أُصيب بتشوهات بالغة. كانت رسالة البرنامج واضحة تماماً: التورط مع الإرهابيين يؤدي إلى عواقب وخيمة لك ولأفراد أسرتك كافة. وهذه القصة تشبه إلى حدٍّ كبير قصة واقعية لأحد المشاركين المشهورين في برنامج إعادة التأهيل، وهو شاب تورط في الهجوم على السفارة الأردنية في بغداد عبر تفجير قاطرة وقود ما أودى بحياة 12 شخصاً. وتم الإبلاغ عن عدد من القصص المماثلة في أوائل العام 2008 شملت استغلال اثنتين من النساء المتخلفات عقلياً للقيام بعمليات انتحارية في بغداد.
تقوم اللجنة الإعلامية الفرعية بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج. وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية. وتساهم اللجنة أيضاً في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس. ومن خلال هذه الجهود تمكنت اللجنة الاستشارية من إيصال رسالتها إلى شريحة واسعة من الناس في المساجد والمدارس وأيضاً في المخيمات والنوادي الصيفية.
المشاركون في البرنامج
[B]وفقاً لدراسة مهمة أجرتها اللجنة الاستشارية، فإن الغالبية الساحقة من المعتقلين الذين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل لم يتلقوا تعليماً دينياً ملائماً في طفولتهم. وقد شملت هذه الدراسة 639 مشاركاً في البرنامج، ممن كانوا ناشطين في المملكة العربية السعودية حتى العام 2004، حيث أجرت مسحاً لخلفياتهم الاجتماعية وأساليب تنشئتهم، علماً أن أياً منهم لم يقم بأي عمل إرهابي في الداخل. وأشارت الدراسة إلى أن المعتقلين كانوا، عموماً، من فئة الشباب (في العشرينات من العمر)، وأن عائلاتهم تنتمي إما للطبقة الوسطى وإما الفقيرة (أي أن عدد الأبناء فيها يتراوح بين سبعة وخمسة عشر)، وأن آباءهم وأمهاتهم لم يتلقوا إلا تعليماً محدوداً، أما عدد الذين ينتمون إلى عائلات ثرية فقد تبين أنه كان محدوداً جداً. وتبين أن قرابة ثلث المشاركين فيها سافروا إلى
الخارج، وتحديداً إلى أفغانستان أو الصومال أو الشيشان، بهدف شن الجهاد. كما تبين أن معظمهم كان يمتلك فهماً قاصراً للإسلام. وهذه نقطة مهمة وحساسة يستشهد بها المسؤولون السعوديون للتدليل على النجاحات النسبية التي حققها برنامج إعادة التأهيل حتى الآن. فضلاً عن ذلك بيَّنت الدراسة أن معظم المعتقلين لم يكملوا التحصيل العلمي الأساسي والعلوم الدينية الصحيحة. كما تبين أن معظم الذين قاموا بانتهاكات أمنية داخل المملكة تم تحويلهم إلى راديكاليين عبر الوسائل التي أضحت معروفة للجميع وهي: الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وأخيراً الإنترنت.
وانبثق عن هذه الدراسة عدد من الحقائق المثيرة للاهتمام. أولاً، تبين أن ربع المشاركين الـ639 في البرنامج كانوا من أصحاب السوابق الجنائية؛ إذ اعتقل نصف هؤلاء بتهم تتعلق بالمخدرات. والحقيقة الثانية تتعلق بمعرفتهم بأمور الدين. ووفقاً لما يقوله مسؤولو البرنامج، فإن معرفة الكثيرين من المعتقلين المشاركين في البرنامج بالإسلام كانت كانت ضئيلةً نسبياً، وأن رغبتهم بأن يكونوا أكثر تديناً هي التي قادتهم إلى الاتصال بالمتطرفين الذين نشروا بينهم فهماً فاسداً للإسلام. لكن الذي كان مخالفاً للتوقعات هو أن نسبة قليلة جداً من هؤلاء (لا تتجاوز الخمسة في المئة) سبق لهم ممارسة العمل في وظائف دينية، كأئمة مساجد أو أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويرى أعضاء اللجنة الاستشارية أنه بالنظر إلى أن هؤلاء الأشخاص الذين لم يتلقوا تعاليم دينهم بالشكل الصحيح منذ البداية، فإنهم كانوا عرضةً للتأثر بالدعاية التي يبثها المتطرفون. ولذلك فإن البرنامج الإرشادي يسعى إلى تغيير الفهم المغلوط للإسلام لدى المعتقلين وإعادة تعريفهم بالصيغة الرسمية من الدين. ويتم هذا الأمر عبر عملية معقدة تنطوي على إرشادات وحوار في أمور الدين وتوجيه نفسي ودعمٍ اجتماعي مكثَّف.
وكانت قدرة المملكة العربية السعودية على حشد سلطتها الدينية الهائلة لإضفاء الشرعية على عملية الحوار من أهم عوامل نجاح العملية. كما أن وجود بعض الأشخاص في اللجنة الاستشارية ممن كانوا سابقاً في صفوف المتشددين ومنتقدي النظام، يضفي على هذه العملية مصداقية كبيرة لدى المشاركين في البرنامج، لا سيما وأن الدعوة التي نادى بها أولئك الأشخاص هي التي قادتهم إلى الميل إلى التطرف. ليس بالمستطاع التقليل من أهمية هذا العامل، فالمعتقلون لا يمكن أن يتحاوروا مع شخصيات دينية تفتقر إلى المصداقية في أعين الأصوليين ومؤيديهم.
على صعيد آخر، يُعتبر الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقلين عنصراً أساسياً، ليس في البرنامج الاستشاري وحسب، بل أيضاً في البرامج الليّنة كافة لمكافحة الإرهاب في المملكة. وتقوم اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية بتقييم كل مشترك على حدة لتحديد الطريقة الأمثل التي تستطيع اللجنة الاستشارية من خلالها تقديم المساعدة له ولعائلته. على سبيل المثال، عندما يتم اعتقال رب الأسرة تقوم اللجنة بتقديم راتب بديل إلى أسرته. ويتفاوت مقدار هذا الراتب البديل وفقاً لطبيعة كل قضية على حدة. كما يتم الاهتمام بالاحتياجات الأخرى لأسرة المعتقل وتسهيل توفرها، مثل تعليم أبنائه وتوفير الرعاية الصحية لأسرته. والهدف من هذه المساعدات تعويض الأسرة عن أي مصاعب ومنع الميل إلى مزيد من التطرف بسبب اعتقال وسجن أحد أو بعض أفرادها، لأنه في حال لم يتم تقديم هذا الدعم، فإن العناصر المتطرفة على الأرجح ستدخل على الخط لتقوم بالمهمة، فضلاً عن ذلك، لا يكون الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقل حكراً على المشاركين بالبرنامج الاستشاري، بل يتم الالتفات إلى احتياجات الآخرين أيضاً، بمن فيهم العائدون من معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، والانتحاريون الذين تم اعتراضهم قبل قيامهم بتنفيذ عملياتهم، وأولئك الذين ذهبوا أو حاولوا الذهاب إلى العراق بهدف القتال. وكما سبق وأسلفنا، فإن مسؤولية تقييم الظروف الاجتماعية للعائلات واحتياجاتها كمحاولة لمنعها من الميل إلى التطرف مستقبلاً تقع على عاتق وحدة مستقلة ضمن وزارة الداخلية بإشراف الأمير محمد.
ولا ريب أنه لا ينبغي صرف النظر عن هذه الجهود، بل يجب النظر إليها وفقاً لأهميتها، لكن إلى جانب ذلك، هناك ذلك الكم الهائل من الدعم الروحي والنفسي والعاطفي والفكري غير الملموس الذي يتم توفيره للمشاركين في هذا البرنامج ولأسرهم أيضاً، والذي نادراً ما يشير إليه النقاد إن هم أشاروا إليه أصلاً. فالكثير من الاحتياجات التي تلبيها اللجنة الاستشارية غير
ظاهرة، ومن هنا يتم التركيز بشكلٍ غير متكافئ على الدعم الاجتماعي.
العملية الإرشادية
يتبع
http://up.x333x.com/uploads/67f97c4d88.jpg
صدر أخيراً عن مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» دراسة بعنوان «الاستراتيجية السعودية الليّنة في مكافحة الإرهاب... الوقاية وإعادة التأهيل والنقاهة» للباحث كريستوفر بوشيك. الدراسة قدمت شرحاً مفصلاً للاستراتيجية السعودية القائمة على منهاج إرشادي وتربوي وديني، والتي تؤدي في نهاية المطاف إلى توبة الأشخاص الذين كانوا يحملون فكراً منحرفاً، بعدما تبين لهم من خلال الحوار وأسلوب الإقناع خطأ الأفكار التي كانوا يعتقدون بها.
بوشيك، الذي استند في بحثه على معطيات ميدانية من واقع التجربة السعودية في مكافحة الإرهاب في إطار «حرب الأفكار»، سلط الضوء على جهد وزارة الداخلية السعودية التي يتولاها الأمير نايف بن عبدالعزيز، إضافة إلى إشراف الأمير محمد بن نايف، مساعد وزير الداخلية للشؤون الأمنية، على إدارة حملة مكافحة الإرهاب التي أصبحت نموذجاً تستلهم منه الدول الأسلوب الناجع في استراتيجياتها ضد الإرهاب.
ويشير بوشيك إلى أنه عقب موجة من الهجمات الإرهابية المميتة التي بدأت في العام 2003، أطلقت المملكة العربية السعودية حملة واسعة لمكافحة الإرهاب. ومثّل استخدام الإجراءات غير التقليدية «الليّنة» الهادفة إلى محاربة التبريرات الفكرية والأيديولوجية للتطرف جانباً أساسياً في الجهود السعودية. والهدف الرئيس لهذه الاستراتيجية منازلة ومحاربة أيديولوجيا تؤكد الحكومة السعودية أنها تستند إلى تفسيرات فاسدة ومنحرفة للإسلام. وتتكون الاستراتيجية السعودية من ثلاثة برامج مترابطة تهدف إلى الوقاية وإعادة التأهيل وتوفير النقاهة بعد الإفراج عن المعتقلين.
تجدر الإشارة إلى أن كريستوفر بوشيك يعمل زميلاً في «برنامج كارنيغي للشرق الأوسط». وقبيل انضمامه إلى «مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي» عمل بوشيك باحثاً في جامعة برنستون ومحاضراً في علوم السياسة في مدرسة وودرو ولسون. وعمل بوشيك في السابق محللاً إعلامياً في السفارة السعودية في واشنطن، كما عمل لأعوام في معهد الخدمات الملكية الموحدة لدراسات الأمن والدفاع في لندن، إذ لا يزال زميلاً في المعهد المذكور. وفي الفترة بين عامي 2003 و 2005 عمل محرراً أمنياً في «مجموعة جينز للمعلومات». كتب العديد من الدراسات عن الشرق الأوسط وآسيا الوسطى والإرهاب لمجموعة من المطبوعات بما فيها صحيفة «واشنطن بوست»، و«سي تي سي سنتينل»، و«جينز إنتلجنس ريفيو»، وشمجلة الدراسات الليبية»، و«ستراتيجيك إنسايتس»، و«تيروريزم مونيتور».
«الراي» تنشر هذه الدراسة المهمة على حلقتين لما تتضمنه من تجرية رائدة للمملكة العربية السعودية في مكافحة الإرهاب.
سنغافورة اعتمدت جزئياً في برنامجها لمكافحة التشدد على نموذج المملكة... واستراتيجية «المارينز» في التعامل مع المقاتلين العراقيين الموقوفين استندت إلى خبرات المسؤولين في الأولى
الرسم... نشاط ثوري لإعادة تأهيل المتطرفين
[COLOR="red"]تؤدي اللجنة الأمنية الفرعية، التابعة لـ «اللجنة الاستشارية» التي يقدمها برنامج الإرشاد في وزارة الداخلية السعودية، عدداً من الوظائف، لكنها ليست كلها معروفة علناً. وتقيّم اللجنة السجناء لجهة المخاطر الأمنية التي قد يشكلونها، وتقدم توصيات في شأن الإفراج عنهم، عبر الاستعانة بمعلومات من اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. وتقدم اللجنة أيضاً المشورة إلى السجناء في شأن كيفية التصرف عند الإفراج عنهم، وكيفية تجنب الوقوع في مواجهات مع السلطات مستقبلاً. وتعتبر مراقبة المحتجزين بعد مغادرة السجن أساسية في عمل هذه اللجنة. ويتم إبلاغ خريجي البرنامج، ممن سيفرج عنهم قريباً، بأنه ستتم مراقبتهم سراً وعلانية، وأن استمرار تمتعهم بالحرية يعتمد على بقائهم بعيدين عن أصدقائهم السابقين وعاداتهم السابقة. ويتم إخطارهم بمن يمكنهم مخالطته ومن لا يمكنهم، كما يُطلب إليهم مراجعة اللجنة الفرعية. ومن المتفق عليه أن يراجع المشاركون في البرنامج اللجنة بانتظام.
يبقى أعضاء اللجنة الدينية الفرعية واللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية على اتصال مع خريجي البرنامج. ويقوم رجال الدين بالتشاور مع شركائهم السابقين في الحوار، في ما يواصل المحتجزون السابقون الدراسة مع الشيوخ الذين كانوا يقدمون لهم النصح والمشورة في السجن. وعند الإفراج عنهم، يتم تشجيعهم على متابعة هذا التواصل واللجوء إلى الشيوخ أو الأطباء كلما احتاجوا إلى ذلك، وهو أمرٌ يحدث بشكل شبه منتظم، حسب قول أعضاء اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية. في غضون ذلك، تستمر الزيارات الدورية من قبل أعضاء اللجنة الاستشارية للمشاركين السابقين في البرنامج لضمان أن تسير الأمور، كما هو مخطط لها، وللتأكد من عدم وجود أي مشاكل. وفيما يتطوّع الكثيرون من أعضاء اللجنة الاستشارية للقيام بهذا الأمر بكل اندفاع، خصوصاً رجال الدين، إلا أن مراقبة السجناء السابقين في قضايا أمنية تبقى جزءاً من مسؤوليتهم.
أما اللجنة الإعلامية الفرعية، التي تركّ.ز على تقديم الخدمات والتعليم، فتأخذ على عاتقها توفير المواد الخاصة بالبرنامج، إلى جانب المواد التعليمية الأخرى لاستخدامها في المدارس والمساجد. وقد قامت اللجنة بإجراء بحث موسَّع عبر الإنترنت والإذاعة والتلفزيون ووسائل الإعلام المكتوبة، وتوصلت إلى أن أفضل طريقة تمكّنها من الوصول إلى جمهورها المستهدف - من الشباب السعوديين الذين يُعتبرون أكثر شريحة معرضة إلى خطر التجنيد على يد المتطرفين - هي صلاة الجمعة. وهكذا فإن قسماً كبيراً من عمل اللجنة يتم توصيله إلى عامة الناس عبر المساجد وبعض الفعاليات، كالمحاضرات والحلقات الدراسية التي تُعقد في المساجد.
وتسعى هذه اللجنة الفرعية، عبر المواد التي تستخدمها، للتأكيد على رسائل عدة، من بينها المفهوم القائل إن المتطرفين يستغلون المتطوعين لترقية قضيتهم، وإن الذين وافقوا المتشددين في الرأي أساؤوا فهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها الإسلام. ومن الأمثلة على المواد التي تقدمها اللجنة الإعلامية الفرعية البرنامج التلفزيوني الذي يتناول موضوع أحد الأشخاص الذين تم تجنيدهم للقيام بهجوم إرهابي. وعندما علم هذا الشخص، وهو شاب سعودي، بأن الهجوم سيكون عملية انتحارية، رفض تنفيذه، لكن الإرهابيين خدعوه وقاموا بتفجير المتفجرات التي كان يحملها بالتحكم عن بعد. نجا الشخص الذي ظهر في البرنامج، إلا أنه أُصيب بتشوهات بالغة. كانت رسالة البرنامج واضحة تماماً: التورط مع الإرهابيين يؤدي إلى عواقب وخيمة لك ولأفراد أسرتك كافة. وهذه القصة تشبه إلى حدٍّ كبير قصة واقعية لأحد المشاركين المشهورين في برنامج إعادة التأهيل، وهو شاب تورط في الهجوم على السفارة الأردنية في بغداد عبر تفجير قاطرة وقود ما أودى بحياة 12 شخصاً. وتم الإبلاغ عن عدد من القصص المماثلة في أوائل العام 2008 شملت استغلال اثنتين من النساء المتخلفات عقلياً للقيام بعمليات انتحارية في بغداد.
تقوم اللجنة الإعلامية الفرعية بتوفير الكتب والنشرات والمواد الأخرى المستخدمة في البرنامج. وبالتنسيق مع وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد ووزارة التربية. وتساهم اللجنة أيضاً في تنظيم المحاضرات في المساجد والمدارس. ومن خلال هذه الجهود تمكنت اللجنة الاستشارية من إيصال رسالتها إلى شريحة واسعة من الناس في المساجد والمدارس وأيضاً في المخيمات والنوادي الصيفية.
المشاركون في البرنامج
[B]وفقاً لدراسة مهمة أجرتها اللجنة الاستشارية، فإن الغالبية الساحقة من المعتقلين الذين شاركوا في برنامج إعادة التأهيل لم يتلقوا تعليماً دينياً ملائماً في طفولتهم. وقد شملت هذه الدراسة 639 مشاركاً في البرنامج، ممن كانوا ناشطين في المملكة العربية السعودية حتى العام 2004، حيث أجرت مسحاً لخلفياتهم الاجتماعية وأساليب تنشئتهم، علماً أن أياً منهم لم يقم بأي عمل إرهابي في الداخل. وأشارت الدراسة إلى أن المعتقلين كانوا، عموماً، من فئة الشباب (في العشرينات من العمر)، وأن عائلاتهم تنتمي إما للطبقة الوسطى وإما الفقيرة (أي أن عدد الأبناء فيها يتراوح بين سبعة وخمسة عشر)، وأن آباءهم وأمهاتهم لم يتلقوا إلا تعليماً محدوداً، أما عدد الذين ينتمون إلى عائلات ثرية فقد تبين أنه كان محدوداً جداً. وتبين أن قرابة ثلث المشاركين فيها سافروا إلى
الخارج، وتحديداً إلى أفغانستان أو الصومال أو الشيشان، بهدف شن الجهاد. كما تبين أن معظمهم كان يمتلك فهماً قاصراً للإسلام. وهذه نقطة مهمة وحساسة يستشهد بها المسؤولون السعوديون للتدليل على النجاحات النسبية التي حققها برنامج إعادة التأهيل حتى الآن. فضلاً عن ذلك بيَّنت الدراسة أن معظم المعتقلين لم يكملوا التحصيل العلمي الأساسي والعلوم الدينية الصحيحة. كما تبين أن معظم الذين قاموا بانتهاكات أمنية داخل المملكة تم تحويلهم إلى راديكاليين عبر الوسائل التي أضحت معروفة للجميع وهي: الكتب والأشرطة المسموعة والمرئية، وأخيراً الإنترنت.
وانبثق عن هذه الدراسة عدد من الحقائق المثيرة للاهتمام. أولاً، تبين أن ربع المشاركين الـ639 في البرنامج كانوا من أصحاب السوابق الجنائية؛ إذ اعتقل نصف هؤلاء بتهم تتعلق بالمخدرات. والحقيقة الثانية تتعلق بمعرفتهم بأمور الدين. ووفقاً لما يقوله مسؤولو البرنامج، فإن معرفة الكثيرين من المعتقلين المشاركين في البرنامج بالإسلام كانت كانت ضئيلةً نسبياً، وأن رغبتهم بأن يكونوا أكثر تديناً هي التي قادتهم إلى الاتصال بالمتطرفين الذين نشروا بينهم فهماً فاسداً للإسلام. لكن الذي كان مخالفاً للتوقعات هو أن نسبة قليلة جداً من هؤلاء (لا تتجاوز الخمسة في المئة) سبق لهم ممارسة العمل في وظائف دينية، كأئمة مساجد أو أعضاء في هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويرى أعضاء اللجنة الاستشارية أنه بالنظر إلى أن هؤلاء الأشخاص الذين لم يتلقوا تعاليم دينهم بالشكل الصحيح منذ البداية، فإنهم كانوا عرضةً للتأثر بالدعاية التي يبثها المتطرفون. ولذلك فإن البرنامج الإرشادي يسعى إلى تغيير الفهم المغلوط للإسلام لدى المعتقلين وإعادة تعريفهم بالصيغة الرسمية من الدين. ويتم هذا الأمر عبر عملية معقدة تنطوي على إرشادات وحوار في أمور الدين وتوجيه نفسي ودعمٍ اجتماعي مكثَّف.
وكانت قدرة المملكة العربية السعودية على حشد سلطتها الدينية الهائلة لإضفاء الشرعية على عملية الحوار من أهم عوامل نجاح العملية. كما أن وجود بعض الأشخاص في اللجنة الاستشارية ممن كانوا سابقاً في صفوف المتشددين ومنتقدي النظام، يضفي على هذه العملية مصداقية كبيرة لدى المشاركين في البرنامج، لا سيما وأن الدعوة التي نادى بها أولئك الأشخاص هي التي قادتهم إلى الميل إلى التطرف. ليس بالمستطاع التقليل من أهمية هذا العامل، فالمعتقلون لا يمكن أن يتحاوروا مع شخصيات دينية تفتقر إلى المصداقية في أعين الأصوليين ومؤيديهم.
على صعيد آخر، يُعتبر الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقلين عنصراً أساسياً، ليس في البرنامج الاستشاري وحسب، بل أيضاً في البرامج الليّنة كافة لمكافحة الإرهاب في المملكة. وتقوم اللجنة النفسية والاجتماعية الفرعية بتقييم كل مشترك على حدة لتحديد الطريقة الأمثل التي تستطيع اللجنة الاستشارية من خلالها تقديم المساعدة له ولعائلته. على سبيل المثال، عندما يتم اعتقال رب الأسرة تقوم اللجنة بتقديم راتب بديل إلى أسرته. ويتفاوت مقدار هذا الراتب البديل وفقاً لطبيعة كل قضية على حدة. كما يتم الاهتمام بالاحتياجات الأخرى لأسرة المعتقل وتسهيل توفرها، مثل تعليم أبنائه وتوفير الرعاية الصحية لأسرته. والهدف من هذه المساعدات تعويض الأسرة عن أي مصاعب ومنع الميل إلى مزيد من التطرف بسبب اعتقال وسجن أحد أو بعض أفرادها، لأنه في حال لم يتم تقديم هذا الدعم، فإن العناصر المتطرفة على الأرجح ستدخل على الخط لتقوم بالمهمة، فضلاً عن ذلك، لا يكون الاهتمام بالاحتياجات الاجتماعية للمعتقل حكراً على المشاركين بالبرنامج الاستشاري، بل يتم الالتفات إلى احتياجات الآخرين أيضاً، بمن فيهم العائدون من معتقل خليج غوانتانامو في كوبا، والانتحاريون الذين تم اعتراضهم قبل قيامهم بتنفيذ عملياتهم، وأولئك الذين ذهبوا أو حاولوا الذهاب إلى العراق بهدف القتال. وكما سبق وأسلفنا، فإن مسؤولية تقييم الظروف الاجتماعية للعائلات واحتياجاتها كمحاولة لمنعها من الميل إلى التطرف مستقبلاً تقع على عاتق وحدة مستقلة ضمن وزارة الداخلية بإشراف الأمير محمد.
ولا ريب أنه لا ينبغي صرف النظر عن هذه الجهود، بل يجب النظر إليها وفقاً لأهميتها، لكن إلى جانب ذلك، هناك ذلك الكم الهائل من الدعم الروحي والنفسي والعاطفي والفكري غير الملموس الذي يتم توفيره للمشاركين في هذا البرنامج ولأسرهم أيضاً، والذي نادراً ما يشير إليه النقاد إن هم أشاروا إليه أصلاً. فالكثير من الاحتياجات التي تلبيها اللجنة الاستشارية غير
ظاهرة، ومن هنا يتم التركيز بشكلٍ غير متكافئ على الدعم الاجتماعي.
العملية الإرشادية
يتبع